مدخل في مفهوم النص الحكائي

حزيران 14th, 2008 كتبها mohamad younes نشر في , مقالات قصيرة

 مدخل في مفهوم  النصّ الحكائيّ
د. محمد عبد الرحمن يونس
 
للمكان أهميّة كبيرة في بناء الحدث الحكائيّ، فهو البنية الأساسيّة من بنياته الفنيّة، و لا يمكن تصوّر أحداث قصصية إلاّ بوجود مكان تنمو فيه و تتشعّب، لأنّ المكان يحتوي على الأحداث و يبنيها و يشعّبها. و من داخل الفضاء المكانيّ تتم عمليات التخيّل و الاستذكار و الحلم، فلا يمكننا أن نتخيّل بطلاً أو شخصية قصصية تفكّر و تتفاعل مع أخرى، و تراقب و تحلّل الأوضاع الإيديولوجية و الاجتماعيّة، أو تثبت رؤاها إلاّ من داخل المكان ومن خلاله.
 و يحدّد المكان في النصوص الحكائيّة مسار الشخصيات، و هو ضروري بالنسبة للسرد الحكائيّ، لأنّ السرد، و لكي ينمو و يتطوّر، فإنّه يحتاج إلى عناصر زمانيّة و مكانيّة، و الحدث » لا يُقدّم سوى مصحوب بجميع إحداثيّاته الزمانيّة و المكانيّة، و من دون وجود هذه المعطيات يستحيل على السرد أن يؤدّي رسالته الحكائيّة «(1).
إنّ الفضاء المكانيّ بامتداداته و مكوّناته يساعدنا على فهم الشّخوص التي تقطنه، و وضعها الاجتماعيّ، و تكوينها السياسيّ و الفكريّ و الإيديولوجيا المعرفيّة التي تتبناها، و بالتالي يمكّننا من أن نفهم مجمل الأوضاع السياسيّة و الثقافيّة و الاقتصاديّة لمجتمع من المجتمعات، أو مدينة من المدن، فالفضاء المكانيّ » لا يتشكّل إلاّ عبر رؤية ما، بل و يمكن القول بأنّ الحديث عن المكان (…) هو حديث محوّر عن رؤية ذلك المكان و زاوية النظر التي يتّخذها الرّاوي عند مباشرته له. فالرؤية التي ستقودنا نحو معرفة المكان و تملّكه من حيث هو صورة تنعكس في ذهن الرّاوي و يدركها وعيه قبل أن يعرضها علينا في خطابه «(2). و الفضاء المكانيّ في النصوص الحكائيّة يكشف عن عادات سكّانه، وتاريخهم الثقافيّ و المعرفيّ و السياسيّ، بتعبير آخر إنّه يقدّمهم في صيرورتهم التاريخيّة و الحضاريّة. و يرى أحد الباحثين » أنّ المكان هو الذي يؤسس الحكي لأنّه يجعل القصة المتخيَّلة ذات مظهر مماثل لمظهر الحقيقة «(3).
فعلى سبيل المثال نجد أنّ الدخول في المكان في ألف ليلة وليلة، و الخروج منه يعني مزيداً من تدفّق الوحدات السردية، و استحضار الأمكنة الجديدة، فخروج علاء الدين أبي الشامات من قصر والده شمس الدين، شهبندر التجار بمص

المزيد


الأستاذ الجامعي والجامعات العربية المعاصرة ـ د. محمد عبد الرحمن يونس

حزيران 8th, 2008 كتبها mohamad younes نشر في , مقالات قصيرة

الأستاذ الجامعي
والجامعات العربية المعاصرة
د. محمد عبد الرحمن يونس
 
 
الأستاذ الجامعي هو عماد البحث العلمي والأكاديمي، وهو الركن الأساس الذي تقوم عليه العملية التعليمية في الجامعات كلها، وإذا أصبح هذا الأستاذ عاجزا عن أداء مهمته على أكمل وجه، تدنّى مستوى التعليم تدنيا كبيرا في الجامعات.
فهل يتحمّل الأستاذ الجامعي مسؤولية ضعف التعليم في الوطن العربي وتراجعه؟
إذا كان الأستاذ الجامعي عماد العملية التعليمية فإنّه يتحمل جزءا لا بأس به في ضعف التعليم وتأخره في عالمنا العربي، غير أنّ هناك أجزاء أخرى كثيرة تسهم في ضعف هذه العملية، منها: النظام الإداري المؤسساتي الجامعي الذي يتحكم في بنية الجامعة وعلاقاتها وقيمها وسير التعليم فيها، فالجامعة عندنا في عالمنا لعربي محكومة بمجموعة من المعايير والضوابط العجيبة التي تسهم في تخلّف التعليم العالي، وتؤخّره. إن رئيس أي جامعة عربية أو مديرها يظنّ أن الجامعة ملك له ولأبيه ولزوجته وبنيه، وعميد الكلية في هذه الجامعة أو تلك يعتقد أنّ كليته عقار من عقاراته وأملاكه الخاصة، ورئيس أي قسم في هذه الكلية أو تلك يرى أنّه أهمّ عضو فيها، وأنّ على جميع أعضاء قسمه أن يقدّموا له ولاء الطاعة و الاحترام والتبجيل، وأنه سيد للقسم، وأن القسم ليس إلاَ تحفة من التحف الفنيّة التي يجب أن تكون ملكا له، وتعرض ضمن تحفه الخاصة داخل منزله.
        إنّ غياب الديمقراطية وروح الحوار الأكاديمي الخلاّق في جامعاتنا هي من أهم أسباب تخلّف التعليم الجامعي العالي عندنا في مؤسساتنا الجامعية العامة والخاصة، وهذا الغياب بدوره يولّد نوعا من الاستبداد الذي تمارسه إدارة الجامعة أو الكلية ضد أساتذتها وطلابها في آن، و داخل هذا الجوّ يظلّ الأستاذ الجامعي قلقا ومتوترا وفاقدا لحريته، وعاجزا عن الإسهام في التغيير والتطوير. وأمام استبداد الإدارات الجامعية في عالمنا العربي تتشكلّ في أعماق الأستاذ الجامعي رغبة عارمة بتقويض هذه الإدارات، وكراهية دفينة تجاهها، ولأنه لا يستطيع  أن يقابل هذا الاستبداد بحوار علمي أخلاقي ، تكون فيه علاقة الند للند هي السائدة، فإنه يكبت رغبته العارمة بتقويض هذا الاستبداد، وينزوي على نفسه، ويتقاعس في عمله، و تتعطل طاقاته الإبداعية، وملكاته وقدراته الكثيرة على العطاء العلمي والمعرف والبحثي المنظّم، التي اكتسبها بفضل مسيرته الطويلة في البحث العلمي، و بالتالي يجد نفسه عاجزا عن العطاء بأعلى درجاته، وكما ينبغي.
        و مع رغبة الإدارات الجامعية العربية بتطويع كل أساتذتها، فإنّها تخلق نفوسا مهزومة، وتعزّز في آن نظاما استبداديا يقوم على تكريس الوشاية والنميمة و الأحقاد بين أعضاء هيئة التدريس من جهة، و بين الطلاب وبين هؤلاء الأعضاء من جهة أخرى،إذ تعمل هذه الإدارات على توظيف جواسيس لها من الطلاب ومن أعضاء هيئة التدريس ـ خسيسي النفوس وصغارها ـ ، وداخل هكذا أجواء مسمّمة بالوشاية والأحقاد تصبح الجامعة أو الكية أشبه بثكنة عسكرية، وتتحول إلى كابوس مرعب مدمّر لنفوس الطلاب والأساتذة معا, ومن داخل هذه الأجواء تزداد نزعة الاستبداد والتسلط عند مسؤولي هذه الجامعة أو تلك، وتتراءى أمامهم مجموعة من الأوهام والعقد المرضيّة المزمنة ، التي تدفعهم إلى الشكّ بكل من حولهم، وعدم الثقة بأي عضو من أعضاء هيئة التدريس مهما كان نبيلا ومخلصا ووفيا، وبجميع الموظفين مهما كانوا أكفاء.
إني أعرف شخصيا عمداء كليات ورؤساء أقسام في هذه الكليات في عالمنا العربي، يكرّسون هذه الوضعيّة الاستلابية المشوّهة، فرئيس الجامعة يعيّن عيونا له في جامعته، وعميد الكلية، ورئيس القسم كذلك، وهذه العيون قلّما ترى رؤية نظيفة، بل ترى الأمور كما يخيّل لها، ومن داخل رؤية قاصرة، تنقل بدورها تقارير قاصرة و كاذبة وملفّقة وكيدية في معظم الأحوال، و هكذا تصبح الجامعة حقلا من التجسس والوشايات والمكايد و المؤامرات، بدلا من أن تكون حقلا للإبداع والعطاء ، والبحث العلمي الموضوعي النبيل.
         و داخل هذا الوسط المشحون بالدسائس والملوّث بجميع أنواع اللوثات  ، يبدو من الطبيعي أن يلجأ بعض أساتذة الجامعة ـ ضعيفي النفوس ـ إلى قبض الرشاوى من الطلاب، لأن إدارة هذه الجامعة أو تلك حطمّت فيهم كل نبرة اعتزاز وكرامة وكبرياء نظيفة، فانهاروا مثل نظام هذه الجامعة، وانحرفوا عن طريق المعرفة و الفضيلة والبحث العلمي المبدع، إلى طريق الرشاوى والفساد والصغائ

المزيد


عداوة الشعر الحديث

آذار 13th, 2007 كتبها mohamad younes نشر في , مقالات قصيرة

عداوة الشعر الحديث

د. محمد عبد الرحمن يونس

بعد أن أنهى دراسته في السوربون ودرس بنيات الشعر الفرنسي والعربي الحديثين ، وأثبت تفوقاً واضحاَ في إبداع الشعر بالفرنسية والعربية في آن ، لاح له الوطن بعيداً نائيا وجميلا، كان ياسميناً وبحرا  حركا في أعماقه كوامن الشوق . كتب عن الوطن أجمل قصائده، حمله في البؤبؤ والقلب ، جمعه قطرة قطرة ، وأخبأه في حناياه .

 

 هذا الوطن الشفيف البعيد يلوح صفصافة ، وزورقاً يمخر عباب الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي . وكلما هبّت نسمة شعر بها تغني أرقّ أغنياتها للصيادين والبحارة والأحباب، تحمل معها رائحة وجه الأرض المجعّد بالتضاريس والرؤى المجدولة بالحنين ، وتقاطيع البحر الناعسة بين الشطوط ومنائر المرافئ، كان يشتعل شوقا وحنينا لمرابع الطفولة .

كانت الشانزي ليزي بالنسبة له واحة للأحلام التي لا تتحقق أبداً، وللصبابات التي تخبو أمام مسرح الليدو كلما فكرت بالهبوب . وأمام المسرح لمح فتاة شابة، كانت تترنح ثملة ,  وابتسمت له، وسرعان ما دعاها إلى ( كافي  دو فرانس) ، فلبت الدعوة ، و في المقهى قرأ لها أشعاراً لبودلير ورامبو ورينيه شار ، وقالت الحسناء :

  أنت شاعر إذاً ؟ وأخفى حياءه  الرفيف تحت وطء ابتسامة شفيفة .

وطلبت منه أن يقرأ لها أشعاراً لشعراء بلاده . وقرأ أجمل الأشعار عن وطنه وبحره ومدنه التي انحبست أنفاسها تحت وطء    الممنوعات والرقابة ،والمؤسسات الثقافية التي لا علاقة لها بالمعرفة والثقافة. المدن التي ظلت تحنّ ألف عام للسفن القادمة من  المرافئ والجزر الخضراء .

كانت فرحته تعانق أبعد غيمة في السماء الش

المزيد


السياسة وشهادة الدكتوراه . د. محمد عبد الرحمن يونس

آذار 13th, 2007 كتبها mohamad younes نشر في , مقالات قصيرة

السياسة وشهادة الدكتوراه

د. محمد عبد الرحمن يونس

 

 

تسهم أطروحة الدكتوراه إسهاما واضحا في تحسين مستوى معديها، علميا ومعرفيا، وتوسّع من خبراتهم البحثية والمعرفية، وهي بلا شكّ تحتاج إلى صبر طويل، وجهد كبير في إعدادها و تبويبها، و هذا الجهد الكبير يسهم بدوره في أن يجعل الباحث صبورا, ومتأنيا، و أكثر قدرة على التبويب والتنظيم، وإعمال الفكر، والتحليل والنقد للنصوص والأبحاث التي بين يديه. ومن هنا تأتي أهميتها، و بالإضافة إلى ذلك تقدّم زادا معرفيا خصبا لمن يعدّها، فسنوات التحضير الطويلة التي يقضيها الباحث في إعدادها كفيلة بأن تقدّم له زادا معرفيا لا بأس به، غير أنّها تقلل من الحسّ الاجتماعي عند الباحث، و تفرض عليه نوعاً من العزلة والابتعاد عن الناس ـ نسبيا ـ لأنّ انهماكه في إعدادها يدفعه قويا لأن يعتزل الناس، ويكون مقلا من حيث واجباته الاجتماعية تجاه أقربائه وأصدقائه، وحتى أهل بيته، ومن مزاياها: أنّها تدفع معدّها إلى مزيد من التأمّل، و تمنحه لذة الاكتشاف كلّما وصل إلى رأي يراه جديدا، أو حقيقية جديدة.

        غير أن كثيرا من أفراد المجتمع أخذوا في الآونة الأخيرة ينظرون إليها نظرة شك وريبة، وبخاصة  بعد أن صارت تمنح لكثير من الذين لا علاقة لهم بالبحث العلمي، و بعد أن دخلت السياسة فيها، إذ أخذ السياسيون العرب يتهالكون للحصول عليها، لا حباً في العلم والمعرفة، وتطوير البحث العلمي، و تطوير مجتمعاتهم وتحضيرها، بل تزيّنا بها، وافتخارا، وعجرفة في بعض الأحيان، و منافسة ل

المزيد