قراءة كتابك الأدباء الشهداء في العصر التركي على يد جمال باشا السفاح

حزيران 10th, 2008 كتبها mohamad younes نشر في , مراجعات ودراسات نقدية لبعض الكتب العربية المهمة

قراءة في كتاب الأدباء الشهداء في العصر التركي على يد جمال باشا السفاح لمؤلفه الدكتور: محمد حامد شريف
قراءة ودراسة د. محمد عبد الرحمن يونس
 

الشهادة والشهداء موضوع مهم في الآداب العالمية والعربية، فلقد اعتادت معظم الأمم على تخليد أبطالها وشهداء حروبها، باعتبار الشهداء منارة جمالية وإنسانية شامخة للأجيال التي تأتي.
ووفاء لهؤلاء الذين ضحوا بأرواحهم ليعيش أبناء شعوبهم بأمان وكبرياء، فقد كُتِبت الأعمال الأدبية التي تخلد هؤلاء الشهداء، سواء أكانت هذه الأعمال استجلاء تاريخياً لحياتهم، ومناقبهم ودورهم في الدفاع عن كرامة أوطانهم، أو ملاحم أو قصائد تمجدهم، وتشيد بأدوارهم الإنسانية البطولية. وقديماً عرف الأدب اليوناني عبر كلاسيكياته المشهورة، الإلياذة والأوديسا لهوميروس، الانيادة لفرجيل كيف يخلّد أبطاله المشهورين في الحروب، إذ قدّمهم بعد وفاتهم في أبهى صورة جمالية وأخلاقية.
وفي الملاحم والسير العربية قدّم الأدب الشعبي أبطال هذه السير الشهداء، على أنهم مثال حقيقي للشجاعة والتضحية، إذ بكى شعراء ورواة سير سيف بن ذي يزن والأميرة ذات الهمة، وبني هلال، والزير سالم، والظاهر بيبرس، أبطالهم الذين ماتوا في سبيل إعلاء كلمة الحق والعدل.
وفي الأدب العربي قديمه وحديثه، نثره وشعره، نجد هذا التخليد لهؤلاء الشهداء، إمّا بالقصائد الشعرية، وإمّا بالبحوث والدراسات، وفي الأدب الحديث نجد أن هذه الدراسات عنيت بدراسة خصائص هذا الأدب وعلاماته الفنية والجمالية.
ومن الدراسات الجديدة التي جمعت ورصدت أخبار الشهداء، الذين كانوا شعراء وأدباء مهمين في تاريخ أوطانهم قبل استشهادهم، وتناولت أعمالهم بالتحليل والدراسة الموسومة بـ: الأدباء الشهداء في العصر التركي على يد جمال باشا السفاح للدكتور محمد حامد شريف، الأستاذ بجامعة الأزهر بدمياط الجديدة (1).
وإذا كان كثير من الباحثين والدارسين قد تطرقوا إلى هذا الموضوع، من الناحية التاريخية والتسجيلية، فإنَّ الكتاب الذي بين يدي هو عمل تجميعي توثيقي لمعظم ما قيل في رثاء الشعراء الشهداء على يد جمال باشا السفاح، وهو لا يبتعد كثيراً عن المنحى التاريخي ذي الطابع الوصفي في تعامله مع النصوص الشعرية، ومع ذلك فهو محاولة جادة لإزاحة الغبار عن كثير مما كان مخفياً من حياة هؤلاء الشهداء، وما كان طي النسيان من النصوص الشعرية التي رثت هؤلاء الشهداء وأرّخت لنكبتهم المأساوية، إضافة إلى دراسته لهذه النصوص خصائصها وسماتها الموضوعية، وبعض جوانبها الفنية، وبهذه المحاولة التجميعية يكون الباحث الدكتور محمد حامد شريف قد أعاد إلى النور هذه القصاصات الشعرية، والتي تكاد تكون قد نُسيت أوغُيبت لدى الأجيال المعاصرة، وفي الدراسات المعاصرة. ويعلل الباحث سبب اختياره لموضوعه قائلاً:
.. وقد وقفت على من وجدت له أثراً أدبياً، وبدهي أيضاً لم يكن العثور على تلك الآثار سهلاً ميسوراً، اللهم إلا شذرات متفرقة هنا وهناك، ورأيت في جمعها ترسيخاً للروح الوطنية بين الأجيال، ووفاء لأرواح أولئك الشهداء، ولعل هذا كان من وراء اختياري لموضوع (الأدباء الشهداء). وإنه لمن الخسارة أن تضيع هذه الآثار الأدبية، أو يلتهمها التراب كما التهم أصحابها (2).
وهنا في هذه القراءة السريعة أعرض بعض ما جاء في كتاب الأدباء الشهداء في العصر التركي على يد جمال باشا السفاح، ونظراً لحجم الكتاب الكبير (200 صفحة من الحجم الكبير)، فإني سأكتفي بالإشارة إلى أهم الأفكار الرئيسية، تاركاً قضايا كثيرة ومهمة، لا تستطيع هذه القراءة الإحاطة بها.
يتكون هذا الكتاب من ثلاثة أبواب وستة فصول، الباب الأول بعنوان: الأحداث التركية في مطلع القرن العشرين، وصداها في الأدب العربي، ويقع في فصلين: الفصل الأول بعنوان: تضارب النزعات الأدبية بين المدح والذم، ويقدّم الباحث لهذا الفصل برؤيته الخاصة حول التباينات الأيديولوجية بين الحكم العثماني للعالم العربي والإسلامي ، وبين الاستعمار الأجنبي والأوروبي، من حيث أن الأتراك مسلمون وقد دافعوا عن الديار الإسلامية، وعملوا على انتشار الإسلام وزرع تعاليمه في بلدان أوروبا الشرقية الشاسعة، وكان من مظاهر الطابع الديني عند الأتراك تطبيقهم للشريعة الإسلامية في أحكامهم، وتشييدهم للعديد من المساجد الكبرى، وحفاظهم على التقاليد الإسلامية، وكانت البنية العامة لمدنهم بشكل عام هي بنية إسلامية في مختلف توجهاتها، وعلى المستوى الشكلي كان من ألقاب السلطان العثماني خليفة المسلمين، في حين كان الاستعمار الأوروبي يرتكز على فلسفة غربية تكرّس  سياسية العدوان والاعتداء واجتياح القوي للضعيف، يزعم لنفسه حق تمدين الشعوب المستضعفة، ولو اقتضى الأمر اللجوء إلى الحديد والنار.
ومن التوجه الأيديولوجي للدولة الإسلامية وتركيزها على تشييد المساجد ونشر الإسلام والفتوحات الإسلامية، فقد صوّر لنا الأدب العربي وبخاصة شعره، كثيراً من مظاهر تعاطف العرب مع الدولة العثمانية والعجيب كما يقول الباحث أنك لا ترى في الشرق العربي منذ أيام إبراهيم باشا المصري حتى أواخر القرن التاسع عشر حركة جدّية للانفصال عن السلطة العثمانية!. ورغم أن مصر أسبق البلدان العربية إلى إنشاء وحدة إدارية ذاتية. وهي أول مكان بُعثت فيه الروح الاستقلالية ـ ومع ذلك ـ ظلت تشايع تركيا ولا تدعو إلى الانفصال عنها، كما ظلّ الأدب فيها عثماني الروح، والذي يراجع نفثات الأدباء المصريين في القرن الأخير ـ يتجلى له ذلك. ونجد ذلك عند أبي النصر علي، والشيخ علي الليثي، ومحمد سامي البارودي، وعبد الله النديم، وغيرهم. ص 11.
ومن يطالع ديوان الشعر العربي في تلك الفترة سيلاحظ أن هنالك قصائد باركت احتواء السلطنة العثمانية لدول الوطن العربي، وطبعها بتوجهاتها السياسية والأيديولوجية، وهاهو شاعر النيل حافظ إبراهيم ـ يبارك خطوات السلطان عبد الحميد ويمدحه قائلاً:
أثنى الحجيج عليك والحرمان   وأجل عيد جلوسك الثقلان
أرضيت ربك إذ جعلت طريقه   أمنا وفزت بنعمة الرضوان
وجمعت بالدستور حولك أمة   شتى المذاهب جمة الأضغان
فغدوت تسكن في القلوب وترتعي   حباتها وتحلّ في الوجدان. (17)
ولما حدثت الفتنة العثمانية عام (1909 م) والتي أدّت إلى خلع السلطان عبد الحميد من قبل مناوئيه الدستوريين في 17 نيسان (إبريل) عام 1909 م، ستعمّ الفرحة عند الأدباء الشعراء الذين كانوا يكنون له العداء، وسنسمع أصواتاً شعرية جديدة في سورية (سوريا والأردن ولبنان وفلسطين) والعراق وبلاد المهاجر تهلل وتندد بالسلطان عبد الحميد، مباركة خلعه، واصفة إياه بالظالم، ومستبشرة برحيله، وبأن صرحاً من صروح الظلم قد هوى، فهاهو الشاعر السوري فارس الخوري يقول مستبشراً بهذا الخلع:
الله أكبر  فالظلام قد علموا    لأي منقلب يفضي الألى ظلموا
لقد هوى اليوم صرح الظلم وانتفضت   أركانه وتولّت أهله النقم (ص 21)
كما ستستبشر جريدة مرآة العرب، وتهلل لخلع السلطان عبد الحميد، وتنشر قصيدة لأحد شعرائها، تصفه بالغدر والاحتيال، تقول القصيدة:
مضى عبد الحميد إلى مكان   رمت فيه أم قشعم الرحالا
مضى وله بفعل الشر ذكر   محا ذكر الأولى كانوا مثالا
مليك قد تسربل بالمخازي    وعمّ الأرض غدراً واحتيالا
أمير المؤمنين دعوه زورا   فكان الذئب لم يعرف حلالا (ص 21)
وهكذا تباينت الرؤى والمواقف بين المدح والهجاء لطبيعة التوجهات السياسية والفكرية للدولة العثمانية على الساحة العثمانية، لكن الغالب على هذه المواقف، رفضها فيما بعد لسلوك السلطة العثمانية ومواقفها.
أمّا الفصل الثاني فهو بعنوان نكبة الأحرار على يد جمال باشا السفاح، ويحاول هذا الفصل أن يعرّج تاريخياً وسياسياً على فترة تولي جمال باشا حكم بلاد الشام بعد أن سطع نجمه في الآستانة، حتى استلامه منصب الخلافة. وما خلفته هذه الفترة من مآس إنسانية، ومجازر فظيعة، ارتكبها جمال باش ضد شعب بلاد الشام، استحق على أثرها أن يخلده التاريخ تحت اسم السفاح وتذكر المصادر أن جمال باشا كان خالياً من كل مزايا الرجال، حيث غلبت عليه العسكرية القاسية، لكنه تظاهر في البداية بمناصرة العرب، والعطف على قضاياهم الاستقلالية، لهذا ساعده الأحرار الاستقلاليون في قدومه وتمكن حكمه في البلاد، ولم يدر بخلدهم ما انطوى عليه من لؤم وبطش حيث كان يراقبهم، ويطلع على أسرار تنظيماتهم تمهيداً للبطش والتنكيل بهم. (ص 34.)
وقد كمم جمال باشا الأفواه، ومارس ظلماً وبطشاً على عباد الله بشتى طوائفهم الإسلامية وغيرها، ففي يوم السادس من أيار (مايو) من عامين متواليين 1915 ، و1916 م، قام جمال باشا بإعدام 32 رجلاً من خيرة أدباء ومفكري بلاد الشام، إذ عمد إلى شنقهم في بيروت ودمشق، وهم حسب ترتيب إعدامهم:
عبد الكريم الخليل ـ الشقيقان محمود المحمصاني ومحمد المحمصاني ـ عبد القادر الخرساء ـ نور الدين القاضي ـ سليم أحمد عباس الهادي ـ محمود نجا عجم ـ محمد مسلم عابدين ـ نايف تللو ـ صالح حيدر ـ علي الأرمنازي، وهؤلاء هم شهداء القافلة الأولى ببيروت يوم 6 / 5/ 1915 م.
أما شهداء دمشق فهم: شفيق بك المؤيد ـ عبد الحميد الزهراوي ـ الأمير عمر الجزائري ـ شكري العسلي ـ عبد الوهاب ـ رفيق رزق سلوم ـ رشدي الشمعة.
أما شهداء القافلة الثانية الذين أعدموا ببيروت في يوم السادس من أيار (مايو) عام 1916 م، فهم: باتروباولي ـ جرجي الحداد ـ سعيد عقل ـ عمر حمد ـ عبد الغني العريسي ـ الأمير عارف الشهابي ـ الشيخ أحمد طيارة ـ محمد الشنطي اليافي ـ توفيق البساط ـ سيف الدين الخطيب ـ علي محمد حاج النشاشيبي ـ محمود جلال البخاري ـ سليم الجزائري ـ أمين لطفي الحافظ. (ص 37).
وبعد أن تولى هذا السفاح أمر الشام، امتدت صلاحياته المطلقة، ومارس قسوة وسادية، عمّت جنوب طوروس شمالاً حتى وصلت إلى اليمن جنوباً. وفي عهده فاض الكيل مظالم ونكبات، وزاد الناس فقراً ومرضاً وعاش الناس غرباء في أوطانهم، وقد ركزّ الباحث في هذا الفصل على المواضيع، والأحداث السياسية والتاريخية الآتية:
1 ـ مؤتمر باريس الذي عقده الشباب الأحرار، مطالبين بحقوق بلادهم في ظلّ الحكم العثماني.
2 ـ السفّاح، حياته، وآثاره.
3 ـ قيام الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين.
4 ـ مصرع جمال باشا السفّاح.
ولم ينس الباحث الدكتور محمد حامد شريف أن يقرن الحوادث التاريخية، بالقصائد الشعرية التي تدين السفّاح، والتي ترثي هؤلاء الشعراء والأدباء الشهداء. وهاهو الشاعر اللبناني نعمان نصر يرثي هؤلاء الشعراء والمفكرين قائلاً:
شهداء الظلم قوموا وانظروا   ناشرات الحق تطوي الجور طيا
هذه الأرض سقاها دمكم   فبحق أنبتت عدلاً جنيّا
إلى أن يقول:
ما جمال غير نذل ظالم   وشقيّ ترك العصر شقيّا
ما ذكرناه ولم نجزل له   جمل اللعن صباحاً وعشيّا. (ص 40)
ويدعو الشاعر الشيخ عارف الحر في قصيدته المعنونة بـ يا شهيد، وفي ذكرى استشهاد هؤلاء الأدباء 1939، يدعو العرب إلى التماسك والوحدة، لتشكيل دولة حرة مستقلة ومنفصلة عن الدولة العثمانية، وما جاء في دعوته:
يا بني العُرب وهذي دعوة   تصل الشام بأنحا يثرب
تمزج الدجلة في النيل كما   تربط الشرق بأقصى المغرب
هي ذكرى شهداء جاهدو   والأماني مثل برق خلّب. (ص 41)
وينهي الباحث فصله بالتأريخ لحادثة مصرع جمال باشا السفاح على يد أحد أبناء بلدة (تفليس) اللبنانية، واسمه أسطفان زاغبيكيان، إن انتقم هذا الفدائي لأهل قريته الأرمن، الذين دبر لهم جمال باشا السفاح مكيدة سنة 1921، ثم أعدمهم جميعاً، هذا ويجدر الإشارة أن الأرمن هم الذين ساعدوا جمال باشا السفاح إلى الوصول إلى سدة الحكم في الآستانة.
أما الباب الثاني المعنون بـ الأدباء الشهداء، حياتهم وآثارهم، فهو مكّون من فصلين، الفصل الأول بعنوان من شهداء دمشق، ويغلب على هذا الفصل الطابع التأريخي، إذ تناول هذا الفصل ثلاثة أدباء من دمشق، وهم الشيخ عبد الحميد الزهراوي، وشكري بك العسلي، ورفيق رزق سلوم، إذ عرض الباحث لهؤلاء الشهداء بالتفصيل عرضاً متشابهاً، يتمثل في أصولهم ونشأتهم وبيئتهم، وتحصيلهم المعرفي، ونشاطاتهم الفكرية، وآثارهم الأدبية من مؤلفات ومقالات، ومجمل الأفكار التي كانوا يدعون إليها، والوظائف التي تقلدوها سواء في الصحافة أو في القضاء والمحاماة، أو في مجلس النواب وظروفهم السيئة في سجونهم، والتهم الموجهة لإدانتهم، تمهيداً لإعدامهم، ثم أثبت الباحث بعضاً من نصوصهم الشعرية، التي تدعوا الأمة العربية إلى رفض الذل والتبعية.
أمّا الفصل الثاني من الباب الثاني فهو بعنوان: من شهداء بيروت، وقد تناول


المزيد


قراءة في كتاب: في مجلس أبي الطيب المتنبي

حزيران 9th, 2008 كتبها mohamad younes نشر في , مراجعات ودراسات نقدية لبعض الكتب العربية المهمة

كان الأستاذ الدكتور إبراهيم السامرائي عليه واسع الرحمةوالمغفرة علما من أعلام الفكر والمعرفة في العالم العربي ، وقد جمعتنا جامعة صنعاءحيث كان الراحل الكريم يعمل في كية الآداب ، وكنت أعمل في كلية مركز اللغات , وجمعتنا صداقة نبيلة وعميقة، وانتقل إلى رحمة الله تعالى في عمّان بعد أن غادرجامعة صنعاء، وقد أضاف إلى المكتبة العربية أكثر من أربعين كتابا في اللغة والأدبوالتحقيق والترجمة والشعر والنقد والسيرة الذاتية، وقد أشرف على عشرات رسائلالماجستير وأطروحات الدكتوراه، وعمل في جامعات عربية عديدة، وكان رحمة الله عليهعضوا في مجامع اللغة العربية العديدة في الوطن العربي، ووفاء لهذا الرجل النبيلالعالم، أقدّم عرضا ودراسة لكتابه المسمّى: ” في مجلس أبي الطيب المتنبي” .
___________________________

في مجلس أبي الطيب المتنبي(1)

قراءة ودراسة : د. محمد عبد الرحمن يونس

أبوالطيب المتنبي (( أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكندي، ( 303ــ 354هـ/ 915ــ 965م)،(( مالئ الدنيا وشاغل الناس )) ، أول شاعر عربي استطاع أن يحتلمكانة مرموقة في ديوان الشعر العربي القديم والحديث والمعاصر، لم يصل إليها أيّشاعر عربي آخر ، وأول شاعر عربي نالت أشعاره حظاً وافراً من الدراسة والتحليلوالمقارنة. وعلى الرغم من كثرة الدراسات الأكاديميّة التي درست بنية خطابه الشعري ،وعلاقته بأوضاع مجتمعه، فإنّ هذا الخطاب لا يزال قابلاً لمزيد من الدرس والتحليل،نظراً للقيمة الفنيّة الجماليّة التي وسمت هذا الخطاب، و نظراً للقيم الإنسانيّةالتي دعا هذا الخطاب إلى تكريسها من شموخ وعزٍ وكبرياء، وإحساس بالعظمة قلّما نجدله مثيلاً في تاريخ الأدب العربي شعراً ونثراً.
ومن أحدث الدراسات التي حاولتأن تبرز بعض سمات الخطاب الشعري عند المتنبي دراسة الشاعر والباحث الدكتور إبراهيمالسامرائيّ الموسومة بـ (( في مجلس أبي الطيّب المتنبي)) . وتأتى هذه الدراسة عبرسجال نقديّ يديره السامرائيّ، مستحضراً أبا الطيّب المتنبي، وشخصية أخرى لتحاوره،ويطلق عليها أبا الندى، ويجلس الثلاثة جلسة شعرية ليتحاوروا حواراً قوامه شعرالمتنبيّ، وموضوعات هذا الشعر. يحتدم الحوار تارة، ويبدو ودياّ حميماً تارة أخرى،يهدف في النهاية إلى تقديم شعر المتنبي بنزعاته الإنسانيّة حيناً، والمتعالية علىغيرها حيناً آخر. يقول السامرائي: (( وها أنا أعود إلى شعره باحثاً أتفقّد فيه حاجةتقيم صلة جديدة ليست صداقة ولا عداوة، ولكنّها صلة الإنسان بالإنسان يعاشره فتنعقدبينهما وشيجة رحم مادتها الإنسان . وسأجعل هذه الصلة بيننا قائمة أسأل منها أباالطيب مستحضراً ما قاله في شعره فألتمس الجواب فيه . وستكون هذه الصلة في مجالسيحضرها أبو الندى يتلو شعر المتنبي، وأنا أسمع فأسأل أبا الطيب فينعقد الحوار. وقديكون الأمر في غير حوار فيبدي أحدنا ما يراه ويعرضه إلى صاحبه بين يدي أبي الطيب ،فإمّا أن يوافق أبو الطيب على ما رأينا وإمّا أن يكون منه موقف خاص.)). ص6.
وفيمجلس أبي الطيب المتنبي الذي يعقده السامرائيّ تتلاقى ثلاث رؤى نقديّة تمثّل ثلاثةتيارات فكريّة تحاول أن ترصد مظاهر شعر المتنبي. وهذه التيارات تنتمي إلى ثلاثةأزمنة: زمن معاصر يمثّل الخطاب النقديّ بتياراته المختلفة، ومواقفه المتباينة منشعر المتنبي، يحاول السامرائيّ من خلاله أن يوضّح توجه هذا الخطاب ، وأهم أسسهالمعرفيّة، وطبيعة رؤيته وتقييمه لأشعار المتنبي، وزمن آخر تمثّله شخصية يطلق عليهاالسامرائيّ (( أبا الندى))، تقوم هذه الشخصيّة بدور الراوي، أو السارد الذي ينشدأشعار أبي الطيب المتنبي، ثمّ يبثّ رؤيته النقديّة حول هذه الأشعار، ويمكن أن تمثّلهذه الرؤية التيارات والمواقف النقديّة التي تزامنت مع شعر المتنبي، سواء أكانتمتعاطفة معه، واضعة إياه في أعلى قمم الشعر العربي، أو معادية له، منقصة من قيمتهالفنيّة والإنسانيّة. وزمن ثالث يمثّله المتنبي ، ويبرز من خلاله صوت الأنا الشعريالفاعل الذي يدافع عن نفسه، معتبراً أنّ كل الأصوات المعادية الأخرى هي أصوات تؤسسرؤيتها انطلاقاً من الغيرة والحسد والحقد الدفين على عظمة هذا الصوت الشعريّوتفرّده.
إنّ مجلس السامرائيّ وأبي الطيّب المتنبي وأبي الندى هو الصورة النديّةللمجالس الأدبيّة الكثيرة عبر العصور التاريخيّة، إنه أشبه بندوة أدبيّة يتحاورفيها ثلاثة أدباء حول شعرية المتنبي، ويمثّلون حركة النقد العربيّ وتياراته ابتداءًمن العصر العباسيّ حتى العصر الحالي، فالسامرائيّ وأبا الندى يستضيفان أبا الطيبالمتنبي، ويستنطقانه ليبثّ أحزانه، وإحساسه بالغربة، وعبقريته الشعريّة، وتفرده فيآن، ويحاولان من خلال هذا الحوار أن يطرحا مجموعة من الأسئلة التي تحاول أن تنتزعاعترافاً من أبي الطيب يفصح عن ذاته المتعالية، ولماذا هذه الذاتالفرديّة متعاليةعلى (( النحن الاجتمــاعيّة )) أو على (( الموضوعي الآخر)) ، ومن خلال الحوارنستنتج أنّ تضخم (( الأنا)) عند أبي الطيب يجعلها أحياناً تلغي الآخرين ، وتتجاوزهموتسمو عليهم، وأمام هذه (( الأنا)) المتشعبة في الزمان والمكان والمالئة لهما،باعتبارها ذاتاً متعالية متفوّقة ونتشويّة، ليس أمام الآخرين إلاّ أن يُغمروا فيأمكنة وأزمنة جدّ محدودة.
إنّ تعالي هذه(( الأنا)) هو الذي سبب له المتاعب طيلةحياته، مع ملوك وسلاطين عصره، ومع مدينته، وحتى مع ذاته نفسها، وهو الذي شرّده ،وطوى به الصحارى والقفار، وهو الذي دفعه ــ بشكل تدميريّ ومتوثب ــ لأن يطمح في أنيكون صاحب إمارة أو ولاية، فلماذا لا تكون هذه(( الأنا)) على سدّة الإمارة، أوالولاية الكبيرة طالما هي متفوقة على عشرات السلاطين والأمراء الذين يعاصرونها،وعلى بني البشر جميعاً. هذه(( الأنا)) المتعالية تعالياً نرجسيّاً . يقول المتنبي:
أيّ محــــلّ أرتقــــــــي أيّ عظيـــــم أتقــي
وكلّ ما قد خلــــق اللهومـــا لــــم يخــــلق
محتقــر في همتــــــي كشعرة في مفرقي . ص 15.

إنّ (( الأنا المعرفي)) عند المتنبي، الطموحة إلى الثراء والسيادةوالسلطة، تتعالى على الشرائط الاجتماعية والإنسانيّة والحضارية التي سادت الزمانالذي عاشه المتنبي، وهي تتفوّق معرفياً وفناً شعرياً على كل بني البشر، وليمت منمات غيظاً :
أنا ترب الندى وربّ القوافي وسمام العدى وغيظ الحسود. ص 14.
وتصبح هذه الذات رائيّة ، عالمة عارفـــــة ، معرفة الأنبياء. هذه الذاتالتي تعايش مجموعــــــــة من الأجلاف الرعاع تحاول جاهدة أن تخلصهم من خطاياهموهمجيتهم ، وبالتالي فإنّها غريبة غربة روحيّة ومعرفيّة وإنسانية، إنّها كغربةالمسيح بين اليهود :
ما مقامي بأرض نخلة إلاّ كمقام المسيح بين اليهود . ص 15.
ولا يرضى المتنبي لغربته أن تكون أقلّ معنى، وقيمة إنسانيّة عن غربةالأنبياء، إنّها كغربة النبي صالح بين قومه :
أنا في أمّة تداركــــها اللهغريب كصالح في ثمود. ص 14.
هذه الغربة الروحيّة، وشعوره بتفوّقه على أبناء زمنهكله، جعلته ــ على غير المألوف ــ متيقناً من أنّه هو الأصل وقومه جميعاً هم الفرع، ولذا فمن الواجب أن يفخروا به بدلاً من أن يفخر بهم، فمصدر اعتزازه بنفسه لا يأتيمن الإرث المعرفيّ الإنسانيّ الذي خلفه الأجداد، بل هو متأصل في ذاته المتعالية قبلانتمائه إلى ذوات اجتماعيّة وقبليّة وقوميّة أخـرى :
لا بقومي شرفت بل شرفوا بيوبحسبي فخرت لا بجدودي . ص 13.
وها هو يرثي جدته، مستنفراً عظمة (( أناهالفرديّة)) ، يقول:
ولو لم تكوني بنت أكرم والد لكان أباك الضخم كونك لي أمّا . ص 13.
وأمام بروز هذه (( الأنا)) وتعاليها على قومها، يشير السامرائيّ إلى مواقفبعض نقاد المتنبي الذين عابوا عليه هذه النرجسيّة، ويستجمع هذه المواقف قائلاً : (( ألا ترى معي، أبا الطيب، أنك تجاوزت الحدّ وجعلت الشرف لك وحدك، وأنّ قومك عيالعليك، وأن آباءك، وأجدادك ليغرفون من بحرك ويقيمون مجدهم من مجدك. وكأنّ أبا الندىقد وقف على ((أنا)) في هذه القصيدة، وأحسّ أنك قد تجاوزت فيها الحدود، فاحتشم فيحضرتك فطواها وأبى أن يتلوها.)). ص13.
والسؤال الذي يمكن أن يُطرح : ما هي أهمأسباب غربة ((أنا)) المتنبي داخل الموضوعي الجماعي؟ هـــل هي الغربة الروحيّة أمالاجتماعيّة أم السياسيّة ؟ أم كانت هذه الغربة نتيجة للإحباطات والخيبات الكثيرةالتي رافقت مسيرة المتنبي؟ . إنّ ذات المتنبي الطامحة لم يُقدر لها أن تُوضع فيالمكان اللائق بها نتيجة لظروف سياسيّة كانت أقوى منها، في حين أنّ الآخرين الذينلا يرقون إلى مستواها هم الأقوياء والسادة والحكام والأغنياء، وبأيديهم مقاليد كلشيء .
لقد كان المتنبي يعتقد أنّه أفضل من أيّ خليفة أو ملك أو أمير من أمراءعصره، فقد كان يشعر وأنّه في مجلــــس سيف الدولة الحمداني ــ صاحب حلب ــ (علي بنعبد الله بن حمدان التغلبي الربعي، 303ــ 356هـ / 915 ــ 967م)، وفي مجلس كافورالإخشيدي ــ صاحب مصر ــ (292 ــ 357 هـ / 905 ــ 968 م)، عظيماً مثلهما، بل أكثرمنهما، فلماذا لا يكون الأمير المتوّج فوق عرش مدينة أو ولاية؟ ولماذا لا يتوّجإمارته الشعريّة بالإمارة السياسية التي تمكّنه من استلام مقاليد السلطة . وهنايمكن القول: إنّ سرّ عذاب المتنبي الدفين، وحزنه الراعف هو إحساسه بالاستلابالسياسي، وحرمانه من كرسي السلطة، ولو أنّ المتنبي لم يستنفر كل طموحه لأن يكونأميراً أو صاحب ولاية لكان أكثر عظمة إنسانيّة، ولكانت صورته التاريخيّة أشدّ إضاءة . هو يعتقد أنّه عظيم ، ولم ينكر أحد عليه ذلك، حتى أعداؤه كانوا في قرارة أعماقهميعترفون بقامته الشعريّة المديدة، ويحسدونه على هذه القامة الشامخة، لكن أن يوظّفقسماً من طاقاته الشعريّة الجماليّة ، ويقف أمام أبواب السلاطين مستجدياً علّهميمنحونه إمارة أو ولاية، فإنّ ذلك سيقلل من اعتزازه الإنسانيّ، وسيحطّ من عظمته،وسيرفع من شأن هؤلاء السلاطين في آن، وهنا تكمن نقطة الضعف التي سمحت لأصدقاءالمتنبي وأعدائه وحساده معاً أن يوجّهوا سهام نقدهم إلى صدره من خلالها ،ويتساءلوا: هل يحقّ له أن يزهو بأثواب التيه والفخار على بني قومه ويحتقرهم في آن ؟وهل يبقى قوله الشعريّ الآتي صحيحاً ؟:
وكلّ ما قد خلق الله وما لــميخلــــــق
محتقر في همتـــــــي كشعرة في مفرقي
وهاهو المتنبي يمدح أحدالأمراء مستعطفاً:
أرجو نداك ولا أخشى المطال به يا من إذا وهب الدنيا فقد بخلا . ص 27.

ولقد كرّس المتنبي كثيراً من قصائده الشعريّة لمدح أشخاص قد يكونونعاديين ولم يقدّموا لأمتهم شيئاً يذكر، وربمالا يستحقون مدحاً، ومن هؤلاءالممدوحين: (( عبيد الله بن خلكان، وأبو المنتصر شجاع بن محمد المنبجي الرضيالأزدي، وعلي بن أحمد الطائيّ، ومحمد بن زريق الطرسوسي، وعبد الله بن يحي البحتري،ومساور بن محمد الرومي، ومحمد بن إسحاق التنوخي، والحسن بن إسحاق التنوخي .)) ص 20،وآخرون كثيرون.
وإذا كان المتنبي قد مدح أشخاصاً بما ليس فيهم، ومدح بعض الطغاةوالظلمة فإنّه مدح بعض العلماء والقضاة الذين عرفوا بعلمهم وكرمهم، فهاهو يمدحالقاضي عبد الوهاب المالكيّ الذي كان من أهل العلم والفضل، والذي هجر مدينة بغدادلأنّه لم يجد فيها أسباب العيش الكريم. يقول فيه:
قليل الكرى لو كانت البيضوالقنا كآرائه ما أغنت البيض والزًّغف
يقوم مقام الجيش تقطيب وجهـــه ويستغرقالألفاظَ من لفظه حرف
وإن فقد الإعطاء حنّت يمينــــــه إليه حنين الإلففارقـــــــه الإلف. ص 40.

وإذا كان الدكتور السامرائيّ وشخصية أبوالندى التي تحاور المتنبي وتستنطقه، يريان أنّ المتنبي أكثر من مديح أشخاص وأمراءيستحقونه ولا يستحقونه ، فإنّ ثمّة رؤية نقديّة تدافع عن المتنبي، يثبتهاالسامرائيّ، ويدفع أبا الطيب المتنبي ــ من خلالها ــ لأن يبرر لنفسه هذا الكمّالهائل من المديح. يقول السامرائيّ : (( قال أبو الطيب: تنكرون علينا أن نسلك هذاالطريق فيكون منّا نثر اللآلئ الفرائد بين يدي الممدوح وتقرّون عيناً بذلك ، وتأبونأن يكون منا

المزيد


تابع قراءة في كتاب الحب بين المسلمين والنصارى في التاريخ العربي ـ الجزء الثاني

حزيران 9th, 2008 كتبها mohamad younes نشر في , مراجعات ودراسات نقدية لبعض الكتب العربية المهمة

قراءة في كتاب الحب بين المسلمين والنصارى في التاريخ العربي
الجزء الثاني .
د. محمد عبد الرحمن يونس
 
ما زلت أرمقها بعيني وامق

 
حتى بصرت بها تقبّل عودا

عود الصليب فويح نفسي من رأى

 
منكم صليباً مثله معبودا. ص 42 .

ويشير ياقوت الحموي في معجمه إلى أنّ الوليد بن يزيد، كان يتردّد على أديرة النصارى، ليقيم فيها لاهياً ماجناً شارباً غير هيّاب ولا وجل، فها هو يتردد على أحد أديرة دمشق «دير بَوَنّا»، ليقيم فيه، ويتأمّل نساءه الجميلات، ثمّ ينشد قائلاً:
حبذا ليلتي بدير بَونّا

 
حيث نسقى شرابنا ونغنى

كيف ما دارت الزجاجة درنا

 
يحسب الجاهلون أنّا جننا

ومررنا بنسوة عطرات

 
وغناء وقهوة، فنزلنا

وجعلنا خليفة الله فطروس

 
مجوناً، والمستشار يُحنّا*

فأخذنا قربانهم ثمّ كَفَّرنا
 
 
لصلبان ديرهم فكفرنا**

واشتهرنا للناس حيث يقولون

 
إذا خُبِّروا بما قد فعلنا. ص44

وهاهو الخليفة العبّاسي المتوكل يسافر إلى دمشق، ويمرّ على الكنائس والرياض يتنزّه فيها، ويشاهد النصرانيّة«شعانين»، ابنة راهب إحدى الكنائس، فيعشقها، ويقول لها:«إن هويتك تساعديني؟ فقالت: أنا الآن بإمرتك، وأمّا إذا صدق المحبّ في المحبّة فما أخوفني من الطغيان. أما سمعت قول الشاعر:
كنت لي في أوائل الأمر حبّاً

 
ثمّ لما ملكت صرت عدوا

أين ذاك السرور عند التلاقي؟

 
صار مني تجنباً ونبوا

فطرب حتى كاد يشقّ ثوبه، ثمّ قال لها: هبيني نفسك اليوم، فصعدت به إلى غرفة مشرفة على الكنائس، وجاء الراهب بخمر لم ير مثله، فلمّا أخذ منه الشراب أحضرت آلة وغنّت:
يا خاطباً مني المودة مرحباً

 
روحي فداؤك لا عدمتك خاطبا

أنا عبدة لهواك فاشرب واسقني
 
 
واعدل بكأس عن جليسك إذ أبى

قد والذي رفع السماء ملكتني

 
وتركت قلبي في هواك معذبا.

فأرغبها حينئذ فأسلمت وتزوّجها فكانت من (أعزّ) النساء عنده». ص 46 .
أمّا أمير الأندلس عبد العزيز بن موسى بن نصير، فإنّه يتزوّج نصرانية إسبانية، وهي زوجة لذريق المكناة أم عاصم:« وكانت قد صالحت على نفسها وأموالها وقت الفتح، وباءت بالجزية، وأقامت على دينها في ظلّ نعمتها إلى أن تزوّجها الأمير عبد العزيز فحظيت عنده ويقال إنّه سكن بها في كنيسة بأشبيلية ». ص 48 .
وفي الفصل الخامس من الباب الأول الموسوم بـ «المسلمون وحبّ الفتيات النصرانيات»، يعرض الملوحي لعدة حالات من التراث العربي تؤكّد مدى الحبّ العميق بين الرجال المسلمين والنساء النصرانيات، هذه الحالات التي دفعت هؤلاء الرجال لأن ينشدوا أشعاراً جميلة في هاته النساء، ولأن يلجأوا أحياناً إلى تطليق نسائهم حبّاً بهذه النساء، وامتثالاً لأوامرهنّ، فخالد بن يزيد بن معاوية (000 ـ–90 هـ/000 -708 م) كان حكيم قريش وعالمها، وكان فاضلاً في نفسه، وله همّة ومحبّة للعلوم، إلاّ أنّه أحبّ رملة بنت الزبير بن العوّام (النصرانية)، حبّاً ملأ عليه حياته. وعندما أرسل خاطباً لها اشترطت على الرسول:« لا والله أو يطلّق نساءه » فما كان منه إلاّ أن طلّق امرأتين كانتا عنده، إحداهما من قريش والأخرى من الأزد، فتزوّجها وظعن بها إلى الشام. ص 51 .
وهاهو يعلن حبّه لرملة ومدى كلفه بها، واستعداده لأن يتنصّر إكراماً لها. يقول:
أحنّ إلى بنت الزبير وقد علت

 
بنا العيس خرقاً من تهامة أو نقبا*

أحبُّ بني العوّام طراً لحبّها

 
ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا

تجول خلاخيل النساء ولا أرى

 
لرملة خلخالاً يجول ولا قُلبا

أقلّوا عليّ اللوم فيها فإنني

 
تخيّرتها منهم زبيرية صلبا

فإن تسلمي نسلم وإن تتنصري

 
 
تخطّ رجال بين أعينهم صلبا. ص 54

       وهاهو أحد رجال المسلمين يمتثل لأمر امرأة نصرانية، فيكوي على رأسه صليباً تعلّقاً بها. يقول الصفدي في تاريخه عن هذا الرجل:« رأيت بحماة رجلاً وافر الحظّ من الخطّ، وقد أوثقه المؤيد (ملك حماة) ليكتب عنده، فكان لا يمكنه من الخروج، فحكي أنّه علق نصرانية بشيزر(قلعة أسامة بن منقذ) فكان يكتب إلى المغرب بحماة ثمّ يذهب إليها فيجلس معها إلى الصباح وأقام على ذلك طويلاً.
وقالت له يوماً: - إن أحببتني فاكوِ على رأسك صليباً، ففعل، وأنا رأيته.» . ص 56 .
وهاهو أحد المسلمين يعشق نصرانيّة، ويلثم صليبها كما جاء في كتاب تزيين الأسواق في أخبار العشّاق، لداوود الأنطاكي، فقد «حكي عن ابن العبّاس بن الفضل أنّه عشق نصرانية بدير (سرماجيس) فكان لا يفارق البِيَع شغفاً بها، فوجدها يوماً في بستان فجلست معه أسبوعاً، فقال في ذلك:
قد خلونا بظبيه نجتليه

 
وسط بستان دير سرماجيس

يتثنّى في حسن جيد غزالٍ

 
في صليب مفضض أبنوس

المزيد


قراءة في كتاب: الحب بين المسلمين والنصارى في التاريخ العربي

حزيران 9th, 2008 كتبها mohamad younes نشر في , مراجعات ودراسات نقدية لبعض الكتب العربية المهمة

 
كتاب: الحب بين المسلمين والنصارى في التاريخ العربي.
تأليف: عبد المعين الملوحي
الناشر: دار الكنوز الأدبية-بيروت
عرض ودراسة : د. محمد عبد الرحمن يونس
 
عرفت المجتمعات العربية الإسلامية والمسيحية، عبر تاريخها الطويل علاقات اجتماعية وإنسانية متميزة، إذ انفتح الإسلام على المسيحية وحافظ على حرمة المسيحيين، واحترم علاقاتهم وعاداتهم ومعتقداتهم، ولم يشعر المسيحيون بالخطر على معتقداتهم مع مجيء الإسلام، إذ تثبت النصوص التاريخية الكثيرة أن المسيحيين وقفوا من المسلمين موقفاً ودياً، وحموا المسلمين الذين هاجروا إلى ديارهم فراراً من المشركين من أهل مكة، ويذكر الطبري في تاريخه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه الذين تعرضوا لأذى المشركين:« لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإنّ فيها ملكاً لا يُظلم أحد عنده، وهي أرض صدقٍ حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه.» ص 20. وقد قام النصارى بحماية المسلمين مرة أخرى في الهجرة الثانية إلى الحبشة.
وقد تعدّت العلاقات الإسلامية المسيحية نطاق التعامل الاجتماعي والإنساني، والعلاقات الوديّة القائمة على احترام المعتقدات والآراء، لتصبح أكثر حميمية، إذ نشأت بين الرجال والنساء في المجتمعين الإسلامي والمسيحي علاقات حب قوية أدّت في بعض حالاتها إلى الزواج، وكان لهذه العلاقات دور في امتزاج المجتمعين الإسلامي والمسيحي، وبالتالي دور في بنية هذين المجتمعين على المستوى الإنساني والحضاري والاجتماعي والثقافي.
ويأتي كتاب الباحث والشاعر عبد المعين الملوحي ليلقي ضوءاً على بنية العلاقات المسيحية الإسلامية، وليعرض حالات من الحب الشديد بين الرجال والنساء في هذين المجتمعين، وليقلّب صفحات طويلة من كتب التراث العربي التي سجلت أخبار هذه العلاقات. وقد اعتمد الملوحي في كتابه مصادر تاريخية عديدة، استقى من خلالها هذه الأخبار، ولعلّ من أهمّ هذه المصادر:
 1-   الموشى لمحمد بن أحمد الوشّاء (000 -325هـ/000 -937م ) ، وطوق الحمامة لعلي بن حزم الأندلسي، ( - 384456 هـ/1064 – 984م )، ومصارع العشّاق لجعفر بن أحمد السرّاج البغدادي (500-417  هـ/1106-1027 م )، وذمّ الهوى لعبد الرحمن بن علـي (ابن الجوزي) ،
( 579-508هـ/1201-1114 م ) ، وروضة العاشق لأحمد بن سليمان المتوفى سنة 635  هـ، و: منازل الأحباب ومنارة الألباب لمحمود سلمان الحلبي (725-644  هـ/1325-1247 م )، والواضح المبين في من استشهد من العاشقين لمغلطاي بن قريح ( 712 - 689 هـ/1361-1290 م ). وديوان الصبابة لأحمد بن يحيى بن حجلة التلمساني (776-735  هـ/1375-1325 م ) ، وأسواق الأشواق لإبراهيم بن عمر البقاعي ( 885-809  هـ/1480-1406 م )، وتزيين الأسواق في أخبار العشاق لداوود الأنطاكي (1008-000  هـ/1600-000  م) ، بالإضافة إلى كتب أخرى عديدة.
في البداية يعلل الملوحي سبب اختياره لكلمة النصارى في عنوان كتابه: « الحبّ بين المسلمين والنصارى في التاريخ العربي » قائلاً: « المسيحيون ينتسبون إلى المسيح، والنصارى ينتسبون إلى الناصري، إّنهما اسمان لمسمّى واحد، والخلاف عليهما خلاف لفظي.» ، ص 6 .
يقسم الملوحي كتابه إلى مقدمة طويلة تبدو أكبر من أيّ فصل من فصول الكتاب، وأربعة أبواب وخاتمة.
الباب الأول يضمّ فصولاً قصيرة، في حين نجد أنّ الأبواب:
الثاني والثالث والرابع تتخلّى عن نظام الفصول، ليصبح الفصل منها عنواناً رئيساً، يتحدّث فيه المؤلف عن فكرة أو عن ظاهرة معيّنة.
في المقدّمة يرى الملوحي أنّ الحبّ عندما يقع بين الناس تتساقط الحدود والسدود، سدود الطبقة والعرق واللون والدين ولا يبقى إلاّ الإنسان. ص 9  . ثم ينتقل، وتأسيساً على مصادره العديدة، ليثبت بعض تعريفات الحبّ كما وردت في هذه المصادر، فالحبّ عند ابن حزم الأندلسي في كتابه: (طوق الحمامة): «أوله هزل وآخره جدّ، دقّت معانيه لجلالتها عن أن توصف، فلا تدرك حقيقتها إلاّ بالمعاناة، وليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة، إذ القلوب بيد الله عزّ وجلّ.». ويضيف ابن حزم قائلاً:« وقد اختلف الناس في ماهيته وقالوا وأطالوا، والذي أذهب إليه أنّه اتصال بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخليقة، في أصل عنصرها الرفيع (…) ومن الدليل على هذا أيضاً أنك لا تجد اثنين يتحابّان، إلاّ وبينهما مشاكلة واتفاق في الصفات الطبيعية ،لا بدّ من هذا -وإن قلّ- وكلّما كثرت الأشباه زادت المجانسة، وتأكّدت المودة، فانظر هذا تراه عياناً، وقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم- يؤكّده:«الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف».» . ص12 - 11  .
أمّا الجاحظ فإنّه يعرّف الحبّ قائلاً: «هو دواء يصيب الروح ويشتمل على الجسم بالمجاورة.» ص 12  .
أمّا الحبّ في معجم لاروس الكبير فيعني:«ميل القلب نحو شخصٍ أو شيء يجذبه إليه». ص 12 .
ويضيف المعجم قائلاً:«لم ير الفلاسفة القدماء في الحبّ- بمعنى الكلمة- إلاّ الرغبة الجسدية، ولكن سقراط وأفلاطون وأرسطو والفلاسفة الرواقيين وبلوتارك رأوا فيه عواطف أكثر رفعة ورقة». ص13 .
أمّا أنواع الحبّ وفق تحديدات هذا المعجم فهي:
     1-       حبّ الوطن، وهو الحبّ الأول بعد حبّ الله-كما يقول فيرلين.
     2-       الميل الطبيعي أو العاطفي الذي يدعو أحد الجنسين إلى الجنس الآخر.
     3-       الحبّ الحرّ: وهو الذي لا يتقيّد بإنسان واحد، بل يجد ما يرضيه في كلّ جسد.
     4-       الحبّ اللحمي أو الشهواني: الذي لا يرى في المحبوب إلاّ الجسد واللحم.
     5-       الحبّ الصوفي: وهو الذي يتجه إلى الله بدلاً من الاتجاه إلى الأرض.
     6-       حبّ الإنسانية: وهو الذي يسمو عن المصالح الفردية والطبقيّة ويرتفع إلى الإنسان في كلّ مكان.
 7-   حبّ الذات: وهو العاطفة التي تدفعنا إلى حفظ ذاتنا وتطوّر فرديتنا، وهو في شكله السامي يحثّنا على إرضاء أكثر ميولنا غيريّة واجتماعية، وليس حبّ الذات مناقضاً لحبّ الآخرين. ص 14 .
وما يهمّ كتاب الملوحي من هذه الأنواع التي حددها معجم لاروس هو تحديداً الحبّ العاطفي الجسدي الذي يصبح عشقاً لجسد المحبوب، والذي عرفه التاريخ بين المسلمين والنصارى في العهود الماضية. ومن علامات الحبّ العاطفي الجسدي تلك التي يحددها ابن حزم الأندلسي قائلاً:«وللحب علامات يقفوها الفطن، ويهتدي إليها الذكي: فأولها إدمان النظر-والعين باب النفس المشرّع (المفتوح) وهي المنقبة عن سرائرها..فترى الناظر لا يطرف، يتنقّل بتنقّل المحبوب وينزوي بانزوائه، ويميل حيث مال كالحرباء مع الشمس(…) ومنها الإقبال بالحديث فما يكاد يقبل على سوى محبوبه، ولو تعمّد ذلك(…) والإنصات إلى حديثه إذا حدّث(…) وتصديقه وإن كذب، وموافقته إن ظلم، والشهادة له وإن جار، واتباعه كيف سلك (…) ومنها الإسراع بالسير نحو المكان الذي يكون فيه، والتعمد للقعود بقربه، والدنو منه، والتباطؤ في المشي عند القيام عنه.» ص 14  .
أمّا علامات الحبّ عند محمد بن أحمد الوشّاء فتصبح:« نحول الجسم وطول السقم واصفرار اللون، وقلّة النوم وخشوع النظر، وإدمان الفكر وسرعة الدموع، وإظهار الخشوع وكثرة الأنين، وإعلان الحنين، وانسكاب العبرات وتتابع الزفرات،

المزيد