ووفاء لهؤلاء الذين ضحوا بأرواحهم ليعيش أبناء شعوبهم بأمان وكبرياء، فقد كُتِبت الأعمال الأدبية التي تخلد هؤلاء الشهداء، سواء أكانت هذه الأعمال استجلاء تاريخياً لحياتهم، ومناقبهم ودورهم في الدفاع عن كرامة أوطانهم، أو ملاحم أو قصائد تمجدهم، وتشيد بأدوارهم الإنسانية البطولية. وقديماً عرف الأدب اليوناني عبر كلاسيكياته المشهورة، الإلياذة والأوديسا لهوميروس، الانيادة لفرجيل كيف يخلّد أبطاله المشهورين في الحروب، إذ قدّمهم بعد وفاتهم في أبهى صورة جمالية وأخلاقية.
وفي الملاحم والسير العربية قدّم الأدب الشعبي أبطال هذه السير الشهداء، على أنهم مثال حقيقي للشجاعة والتضحية، إذ بكى شعراء ورواة سير سيف بن ذي يزن والأميرة ذات الهمة، وبني هلال، والزير سالم، والظاهر بيبرس، أبطالهم الذين ماتوا في سبيل إعلاء كلمة الحق والعدل.
وفي الأدب العربي قديمه وحديثه، نثره وشعره، نجد هذا التخليد لهؤلاء الشهداء، إمّا بالقصائد الشعرية، وإمّا بالبحوث والدراسات، وفي الأدب الحديث نجد أن هذه الدراسات عنيت بدراسة خصائص هذا الأدب وعلاماته الفنية والجمالية.
ومن الدراسات الجديدة التي جمعت ورصدت أخبار الشهداء، الذين كانوا شعراء وأدباء مهمين في تاريخ أوطانهم قبل استشهادهم، وتناولت أعمالهم بالتحليل والدراسة الموسومة بـ: الأدباء الشهداء في العصر التركي على يد جمال باشا السفاح للدكتور محمد حامد شريف، الأستاذ بجامعة الأزهر بدمياط الجديدة (1).
وإذا كان كثير من الباحثين والدارسين قد تطرقوا إلى هذا الموضوع، من الناحية التاريخية والتسجيلية، فإنَّ الكتاب الذي بين يدي هو عمل تجميعي توثيقي لمعظم ما قيل في رثاء الشعراء الشهداء على يد جمال باشا السفاح، وهو لا يبتعد كثيراً عن المنحى التاريخي ذي الطابع الوصفي في تعامله مع النصوص الشعرية، ومع ذلك فهو محاولة جادة لإزاحة الغبار عن كثير مما كان مخفياً من حياة هؤلاء الشهداء، وما كان طي النسيان من النصوص الشعرية التي رثت هؤلاء الشهداء وأرّخت لنكبتهم المأساوية، إضافة إلى دراسته لهذه النصوص خصائصها وسماتها الموضوعية، وبعض جوانبها الفنية، وبهذه المحاولة التجميعية يكون الباحث الدكتور محمد حامد شريف قد أعاد إلى النور هذه القصاصات الشعرية، والتي تكاد تكون قد نُسيت أوغُيبت لدى الأجيال المعاصرة، وفي الدراسات المعاصرة. ويعلل الباحث سبب اختياره لموضوعه قائلاً:
.. وقد وقفت على من وجدت له أثراً أدبياً، وبدهي أيضاً لم يكن العثور على تلك الآثار سهلاً ميسوراً، اللهم إلا شذرات متفرقة هنا وهناك، ورأيت في جمعها ترسيخاً للروح الوطنية بين الأجيال، ووفاء لأرواح أولئك الشهداء، ولعل هذا كان من وراء اختياري لموضوع (الأدباء الشهداء). وإنه لمن الخسارة أن تضيع هذه الآثار الأدبية، أو يلتهمها التراب كما التهم أصحابها (2).
وهنا في هذه القراءة السريعة أعرض بعض ما جاء في كتاب الأدباء الشهداء في العصر التركي على يد جمال باشا السفاح، ونظراً لحجم الكتاب الكبير (200 صفحة من الحجم الكبير)، فإني سأكتفي بالإشارة إلى أهم الأفكار الرئيسية، تاركاً قضايا كثيرة ومهمة، لا تستطيع هذه القراءة الإحاطة بها.
يتكون هذا الكتاب من ثلاثة أبواب وستة فصول، الباب الأول بعنوان: الأحداث التركية في مطلع القرن العشرين، وصداها في الأدب العربي، ويقع في فصلين: الفصل الأول بعنوان: تضارب النزعات الأدبية بين المدح والذم، ويقدّم الباحث لهذا الفصل برؤيته الخاصة حول التباينات الأيديولوجية بين الحكم العثماني للعالم العربي والإسلامي ، وبين الاستعمار الأجنبي والأوروبي، من حيث أن الأتراك مسلمون وقد دافعوا عن الديار الإسلامية، وعملوا على انتشار الإسلام وزرع تعاليمه في بلدان أوروبا الشرقية الشاسعة، وكان من مظاهر الطابع الديني عند الأتراك تطبيقهم للشريعة الإسلامية في أحكامهم، وتشييدهم للعديد من المساجد الكبرى، وحفاظهم على التقاليد الإسلامية، وكانت البنية العامة لمدنهم بشكل عام هي بنية إسلامية في مختلف توجهاتها، وعلى المستوى الشكلي كان من ألقاب السلطان العثماني خليفة المسلمين، في حين كان الاستعمار الأوروبي يرتكز على فلسفة غربية تكرّس سياسية العدوان والاعتداء واجتياح القوي للضعيف، يزعم لنفسه حق تمدين الشعوب المستضعفة، ولو اقتضى الأمر اللجوء إلى الحديد والنار.
ومن التوجه الأيديولوجي للدولة الإسلامية وتركيزها على تشييد المساجد ونشر الإسلام والفتوحات الإسلامية، فقد صوّر لنا الأدب العربي وبخاصة شعره، كثيراً من مظاهر تعاطف العرب مع الدولة العثمانية والعجيب كما يقول الباحث أنك لا ترى في الشرق العربي منذ أيام إبراهيم باشا المصري حتى أواخر القرن التاسع عشر حركة جدّية للانفصال عن السلطة العثمانية!. ورغم أن مصر أسبق البلدان العربية إلى إنشاء وحدة إدارية ذاتية. وهي أول مكان بُعثت فيه الروح الاستقلالية ـ ومع ذلك ـ ظلت تشايع تركيا ولا تدعو إلى الانفصال عنها، كما ظلّ الأدب فيها عثماني الروح، والذي يراجع نفثات الأدباء المصريين في القرن الأخير ـ يتجلى له ذلك. ونجد ذلك عند أبي النصر علي، والشيخ علي الليثي، ومحمد سامي البارودي، وعبد الله النديم، وغيرهم. ص 11.
ومن يطالع ديوان الشعر العربي في تلك الفترة سيلاحظ أن هنالك قصائد باركت احتواء السلطنة العثمانية لدول الوطن العربي، وطبعها بتوجهاتها السياسية والأيديولوجية، وهاهو شاعر النيل حافظ إبراهيم ـ يبارك خطوات السلطان عبد الحميد ويمدحه قائلاً:
أثنى الحجيج عليك والحرمان وأجل عيد جلوسك الثقلان
أرضيت ربك إذ جعلت طريقه أمنا وفزت بنعمة الرضوان
وجمعت بالدستور حولك أمة شتى المذاهب جمة الأضغان
فغدوت تسكن في القلوب وترتعي حباتها وتحلّ في الوجدان. (17)
ولما حدثت الفتنة العثمانية عام (1909 م) والتي أدّت إلى خلع السلطان عبد الحميد من قبل مناوئيه الدستوريين في 17 نيسان (إبريل) عام 1909 م، ستعمّ الفرحة عند الأدباء الشعراء الذين كانوا يكنون له العداء، وسنسمع أصواتاً شعرية جديدة في سورية (سوريا والأردن ولبنان وفلسطين) والعراق وبلاد المهاجر تهلل وتندد بالسلطان عبد الحميد، مباركة خلعه، واصفة إياه بالظالم، ومستبشرة برحيله، وبأن صرحاً من صروح الظلم قد هوى، فهاهو الشاعر السوري فارس الخوري يقول مستبشراً بهذا الخلع:
الله أكبر فالظلام قد علموا لأي منقلب يفضي الألى ظلموا
لقد هوى اليوم صرح الظلم وانتفضت أركانه وتولّت أهله النقم (ص 21)
كما ستستبشر جريدة مرآة العرب، وتهلل لخلع السلطان عبد الحميد، وتنشر قصيدة لأحد شعرائها، تصفه بالغدر والاحتيال، تقول القصيدة:
مضى عبد الحميد إلى مكان رمت فيه أم قشعم الرحالا
مضى وله بفعل الشر ذكر محا ذكر الأولى كانوا مثالا
مليك قد تسربل بالمخازي وعمّ الأرض غدراً واحتيالا
أمير المؤمنين دعوه زورا فكان الذئب لم يعرف حلالا (ص 21)
وهكذا تباينت الرؤى والمواقف بين المدح والهجاء لطبيعة التوجهات السياسية والفكرية للدولة العثمانية على الساحة العثمانية، لكن الغالب على هذه المواقف، رفضها فيما بعد لسلوك السلطة العثمانية ومواقفها.
أمّا الفصل الثاني فهو بعنوان نكبة الأحرار على يد جمال باشا السفاح، ويحاول هذا الفصل أن يعرّج تاريخياً وسياسياً على فترة تولي جمال باشا حكم بلاد الشام بعد أن سطع نجمه في الآستانة، حتى استلامه منصب الخلافة. وما خلفته هذه الفترة من مآس إنسانية، ومجازر فظيعة، ارتكبها جمال باش ضد شعب بلاد الشام، استحق على أثرها أن يخلده التاريخ تحت اسم السفاح وتذكر المصادر أن جمال باشا كان خالياً من كل مزايا الرجال، حيث غلبت عليه العسكرية القاسية، لكنه تظاهر في البداية بمناصرة العرب، والعطف على قضاياهم الاستقلالية، لهذا ساعده الأحرار الاستقلاليون في قدومه وتمكن حكمه في البلاد، ولم يدر بخلدهم ما انطوى عليه من لؤم وبطش حيث كان يراقبهم، ويطلع على أسرار تنظيماتهم تمهيداً للبطش والتنكيل بهم. (ص 34.)
وقد كمم جمال باشا الأفواه، ومارس ظلماً وبطشاً على عباد الله بشتى طوائفهم الإسلامية وغيرها، ففي يوم السادس من أيار (مايو) من عامين متواليين 1915 ، و1916 م، قام جمال باشا بإعدام 32 رجلاً من خيرة أدباء ومفكري بلاد الشام، إذ عمد إلى شنقهم في بيروت ودمشق، وهم حسب ترتيب إعدامهم:
عبد الكريم الخليل ـ الشقيقان محمود المحمصاني ومحمد المحمصاني ـ عبد القادر الخرساء ـ نور الدين القاضي ـ سليم أحمد عباس الهادي ـ محمود نجا عجم ـ محمد مسلم عابدين ـ نايف تللو ـ صالح حيدر ـ علي الأرمنازي، وهؤلاء هم شهداء القافلة الأولى ببيروت يوم 6 / 5/ 1915 م.
أما شهداء دمشق فهم: شفيق بك المؤيد ـ عبد الحميد الزهراوي ـ الأمير عمر الجزائري ـ شكري العسلي ـ عبد الوهاب ـ رفيق رزق سلوم ـ رشدي الشمعة.
أما شهداء القافلة الثانية الذين أعدموا ببيروت في يوم السادس من أيار (مايو) عام 1916 م، فهم: باتروباولي ـ جرجي الحداد ـ سعيد عقل ـ عمر حمد ـ عبد الغني العريسي ـ الأمير عارف الشهابي ـ الشيخ أحمد طيارة ـ محمد الشنطي اليافي ـ توفيق البساط ـ سيف الدين الخطيب ـ علي محمد حاج النشاشيبي ـ محمود جلال البخاري ـ سليم الجزائري ـ أمين لطفي الحافظ. (ص 37).
وبعد أن تولى هذا السفاح أمر الشام، امتدت صلاحياته المطلقة، ومارس قسوة وسادية، عمّت جنوب طوروس شمالاً حتى وصلت إلى اليمن جنوباً. وفي عهده فاض الكيل مظالم ونكبات، وزاد الناس فقراً ومرضاً وعاش الناس غرباء في أوطانهم، وقد ركزّ الباحث في هذا الفصل على المواضيع، والأحداث السياسية والتاريخية الآتية:
1 ـ مؤتمر باريس الذي عقده الشباب الأحرار، مطالبين بحقوق بلادهم في ظلّ الحكم العثماني.
2 ـ السفّاح، حياته، وآثاره.
3 ـ قيام الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين.
4 ـ مصرع جمال باشا السفّاح.
ولم ينس الباحث الدكتور محمد حامد شريف أن يقرن الحوادث التاريخية، بالقصائد الشعرية التي تدين السفّاح، والتي ترثي هؤلاء الشعراء والأدباء الشهداء. وهاهو الشاعر اللبناني نعمان نصر يرثي هؤلاء الشعراء والمفكرين قائلاً:
شهداء الظلم قوموا وانظروا ناشرات الحق تطوي الجور طيا
هذه الأرض سقاها دمكم فبحق أنبتت عدلاً جنيّا
إلى أن يقول:
ما جمال غير نذل ظالم وشقيّ ترك العصر شقيّا
ما ذكرناه ولم نجزل له جمل اللعن صباحاً وعشيّا. (ص 40)
ويدعو الشاعر الشيخ عارف الحر في قصيدته المعنونة بـ يا شهيد، وفي ذكرى استشهاد هؤلاء الأدباء 1939، يدعو العرب إلى التماسك والوحدة، لتشكيل دولة حرة مستقلة ومنفصلة عن الدولة العثمانية، وما جاء في دعوته:
يا بني العُرب وهذي دعوة تصل الشام بأنحا يثرب
تمزج الدجلة في النيل كما تربط الشرق بأقصى المغرب
هي ذكرى شهداء جاهدو والأماني مثل برق خلّب. (ص 41)
وينهي الباحث فصله بالتأريخ لحادثة مصرع جمال باشا السفاح على يد أحد أبناء بلدة (تفليس) اللبنانية، واسمه أسطفان زاغبيكيان، إن انتقم هذا الفدائي لأهل قريته الأرمن، الذين دبر لهم جمال باشا السفاح مكيدة سنة 1921، ثم أعدمهم جميعاً، هذا ويجدر الإشارة أن الأرمن هم الذين ساعدوا جمال باشا السفاح إلى الوصول إلى سدة الحكم في الآستانة.
أما الباب الثاني المعنون بـ الأدباء الشهداء، حياتهم وآثارهم، فهو مكّون من فصلين، الفصل الأول بعنوان من شهداء دمشق، ويغلب على هذا الفصل الطابع التأريخي، إذ تناول هذا الفصل ثلاثة أدباء من دمشق، وهم الشيخ عبد الحميد الزهراوي، وشكري بك العسلي، ورفيق رزق سلوم، إذ عرض الباحث لهؤلاء الشهداء بالتفصيل عرضاً متشابهاً، يتمثل في أصولهم ونشأتهم وبيئتهم، وتحصيلهم المعرفي، ونشاطاتهم الفكرية، وآثارهم الأدبية من مؤلفات ومقالات، ومجمل الأفكار التي كانوا يدعون إليها، والوظائف التي تقلدوها سواء في الصحافة أو في القضاء والمحاماة، أو في مجلس النواب وظروفهم السيئة في سجونهم، والتهم الموجهة لإدانتهم، تمهيداً لإعدامهم، ثم أثبت الباحث بعضاً من نصوصهم الشعرية، التي تدعوا الأمة العربية إلى رفض الذل والتبعية.
أمّا الفصل الثاني من الباب الثاني فهو بعنوان: من شهداء بيروت، وقد تناول













