جموحات عبد الله الإدريسي

آذار 13th, 2007 كتبها mohamad younes نشر في , قصص محمد عبد الرحمن يونس القصيرة

جموحات عبد الله الإدريسي

قصة قصيرة . د . محمد عبد الرحمن يونس

أحس عبد الله بكآبة خانقة داهمته فجأة .. فلاذ بالوحشة والفراغ، وأخذ يتأمل السماء العريضة .. فتش عن نجمة المساء .. وأخذ يدقق جيداً عله يرى نجمة واحدة .. عاين السماء من أطرافها .. يا لله متى تظهر النجمة.. لكن النجمة ظلت آفلة .. لو أن نجمة واحدة أضاءت بؤر قلبه الحالكة ، لاستحضر جواداً وشراعاً  وسفينة ، وغادر المدينة والبلدة إلى غير رجعة .. لو أن شخصاً في هذا العالم أهداه نجمة وسروة لاستظل بظلها طيلة حياته ، وانصرف جاداً إلى جمع أخبار الأجداد في حلهم وترحالهم وفتوحاتهم وهزائمهم، وأخبار جواريهم ونسائهم، ودسائسهن وغرامهن .. ولألّف كتاباً يفوق كتاب الأغاني والعقد الفريد، والروض العاطر في نزهة الخاطر.. ولبنى جزيرة وقصراً، واشترى أجمل الجواري، وابتنى بها على سنة الله ورسوله.. لكن الأحلام العريضة كانت تجمح بعيداً، تنخر مسامات روحه ،ولم يستطع مرة واحدة أن يحقق حلماً في حياته، فكثيراً ما كان مولانا الوالي أعزه الله وأيده بجنود من عنده يضبطه متلبساً شارداً حالماً فيقبض عليه، ويدخله أضيق الزنزانات الفردية بحجة أنه يحيك المؤامرات، وينظم الناس في الأحزاب السياسية المعارضة. قضى نصف حياته في الأحلام والسجون. والنصف الآخر في الجامعات العربية الخامجة التي لا تعرف مدرجاتها الا أدب الجاهلية  ، وافر نقع وأحر نجم وإفعوعل، والحفظ الببغائي والستوكات الجاهزة ، ، وتاريخ الطغاة والظلمة وعروض الخليل بن أحمد الفراهيدي.. وعندما تخرج بدأ يتسكع ويعاين الشوارع العريضة، ومحلات العطور الفاخرة، والأحذية الإيطالية الساحرة، فعاد مولانا الوالي وقبض عليه ثانية بجرم إساءته لهدوء المدينة، وصفاء الشوارع وطمأنينة الناس. كان قد تعلم في أعوامه السابقة أن يستسيغ المرارة ويبتلعها.. وينام سعيدا في أبعد أكواخ المدينة القصديرية، بعيداً عن عربدات المدينة وحفلات سيركها ورقصها.

داهمته الكآبة وهذه الغربة الملعونة ، وقصفت الريح آخر نخيله، وهدمت كوخه ، وسدت الرماح والنصال بوابات شرايينه، وأخذ هازم اللذات أعز صديقاته وأخواته ، وأخذ أمه بعد أن دهستها سيارة  "فورد أمريكية" ذات مساء في أجمل شوراع المدينة العريقة. وسجل البوليس الوطني العريق الحادثة ضد مجهول، وطوى مولانا القاضي قضية الدهس بأمر الوالي. لعدم وجود الأدلة القاطعة، وبعد أن غابت الوالدة الصديقة شعر بغصة حادة ، وأحس أن ما يحيط به يفقد لونه وطعمه، لم يعرف كيف يفكر أو ينام، أو يأكل .. فالحزن الأسود زاده اليومي.. بينه وبين معارفه القدامى الذين أصبحوا أكبر تجار المدينة وسماسرتها شرخ حاد يزداد يومياً، فيجعله منطوياً متسربلاً  ومفجوعاً بنفسه ومدينته.. لم يعد قادراً على أن يتآلف والحزن.. كانت نخيله المسروقة وصحراؤه اللافحة كافية لأن تفتح ثغرة واسعة في مفاصله .. ومع تقدمه في العمر كان يأمل أن يتبدد حزنه لكن شيئاً لم يتغير.. فالميناء لا يزال بعيداً ، وما بانت سفينة واحدة، ونجمة المساء ارتحلت إلى الأبد، وها هو ينتظرها لعشرين سنة، لكن هذه الأليفة الهامسة الحبيبة الحلم تركت السماء ، فانقبض قلبه وأحاطه الظلام .. والحياة أصبحت كابوساً .. والرغيف استمر هارباً.. والمدينة استمرت في إشعال طقوس رقصها .. لم يتعود الرقص ولم يفكر به .. لم الرقص طالما أن النجمة غائبة .؟. لم الرقص طالما أن الريح ملأت حقوله و بياراته برمالها وسمومها ؟ وطالما أن المدينة تقيم أفراحها اليومية ويرقص الناس من حولها ، فليشاهد منظر الناس والشوراع والحانات، فنادق الدرجة الأولى. يكفي أن يتأمل الراقصين .. وحتى لو حاول الرقص فإن رجليه ستخونانه دائماً. المهنة ليست له ، ليتركها لعباقرتها . ولتجار السوق السوداء، ولتجار الرقيق الأبيض والأسود والكوكائين، وأصحاب وكالات السيارات. حاول مرات عديدة أن يناشد الفرح ويستحضره. لكنه كان يهاجر دائماً .. مشى في شوارع المدينة وأزقتها.. لا يوجد زقاق واحد في المدينة إلا ويعرفه جيداً .. تأمل وجوه الناس والمتسكعين كانت محاطة بقفار شاسعة ، وبغابات محروقة، وصبيان مبتوري الأصابع، ونساء بلا أنوف .. أما بنايات المدينة الشامخة فقد ازدانت بالأعلام الوطنية والدعايات الأمريكية التي ترفرف مع أبواق سيارات المرسيدس.

قلب جيبي وسرواله.. وكانت الأموال على وشك النهاية … تباً لهذه الأموال التي تهرب دائماً .. عشرون درهماً وستون سنتيماً .. غداً تنتهي.. ومحال أن يجد العمل .. فالبطالة نصل وسيف ، سدت بوابات المدينة .. وحجبت ضوء الأفق .. والأشجار ظلت كابية .. والنوارس مقصوفة الجناح… وهاهي مدينة العمالقة والحضارات جثة مرمية على شاطىء البحر تنتهشها الغربان، وجواسيس الليل، ومقاولو البناء .. وأين يجد العمل؟

لم يعد يذكر عدد الطلبات التي تقدم بها إلى الشركات العامة والخاصة.. ولا وجوه  السكرتيرات المصبوغات بالطين والكيروسين، و مساحيق أوروبا كافة .. لكن عينيه ما نسيتا أبداً اللافتات العريضة المعلقة على واجهة شركات المدينة جميعها. يومياً كان يقطع شارعي علال بن عبد الله، و

المزيد


أحلام مليكة بنت الأخضر في وهران ـ قصة قصيرة

حزيران 22nd, 2008 كتبها mohamad younes نشر في , قصص محمد عبد الرحمن يونس القصيرة

 أحلام مليكة بنت الأخضر في وهران
 
قصة قصيرة ـ د. محمد عبد الرحمن يونس
 
الإهداء : إلى أساتذتي وأصدقائي في الجزائر ومنهم : د. جوهر خاتر ـ د. السعيد بو طاجين ـ د. عبد الحميد بورايو ـ د. ميزاب ناصر . د. بوطمين مختار. أكرم الفراج ـ جلاوي محمد ـ سميرة طالب ـ العيد موسى ـ بلقاسمي محمد علي ,
وآخرون .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
على أشرعة الموجة أحزم حقائبي, وأقطع ضوء الأفق . تشدّني الآمال البعيدة وأضواء النجوم الشاحبة ومنارات الميناء . لم أسافر منذ مدة .. بدأت تضعف عزيمتي . وحده شاطئ الأمان بعيد مهجور . أيها الشاطئ الحلم متى تقترب ؟
 سماء مارس شاحبة صامتة .. أبواق سيارات أمريكا الفاخرة تدغدغ أحلام نساء   مدينتي ..الشارع طويل ضيق ، قلب المدينة أسود يتخبّط ملدوغاً بدمائه المسمومة . يأتي مارس محتضناً ضبابه وسماءه السوداء المطيرة .. صوت مطربة شابة تغني وهي منفوشة من جميع أطرافها : (( حبينا وتحبينا )) ، يمزّق الصوت وحشة المساء لتزداد وحشة وفاجعاً . تتأمل مليكة ضباب المدينة ، تصرخ في وجهها : أن أوقفي عربدتك أيتها الماجنة ، فأنا بحاجة ماسة إلى حذاء فرنسي وعطور وفساتين ، ولا بدّ من أن أحتفل بالأعياد القوميّة والوطنية .
فردت مليكة أحلامها العريضة وتأملت مدينتها الأثرية العريقة التي مرّ عليها الغزاة فرادى وجماعات هي ذي تلمسان التي تحبّها وتخبئها في شغاف القلب والروح . هي ذي تلمسان الحصن التي يمرّ منها الزمان   شامخا بهامته ممتطيا ألف جواد لا تعرف كبوة, وعندما يصل إلى ضريح سيدي مسعود يرخي لجياده أعنّتها لتغفو قليلا على وقع انتصاراتها, ولينحني إجلالا وتقديرا لزعيم تلمسان الروحي الولي سيدي مسعود الذي يؤكّد التلمسانيون أنّ الملائكة تزوره مساء كل جمعة وفي جميع الأعياد والمناسبات الدينية المقدّسة . هي ذي تلمسان تنزع عظمتها الأسطورية وأبهتها المكللة بنياشين الزمن وأوسمته لتتسربل ببذلات الدرك الوطني السوداء الداكنة، وعصي رجال الشرطة الغليظة المدببة.
وسرحت في الفضاء البعيد وفردت أحلامها الشفيفة . وهمست : يا سيدي مسعود، أيها الولي العظيم أستحلفك بمنزلتك عند مولاك العظيم.. أستحلفك بأحلام البسطاء والشرفاء وبصلوات الثكالى والمقهورين أن تطلق سراح عبد الله العمروش من قبضة فقيه عسكر الرباط وواليها وزعيم الحشاشين فيها .
          هبط المساء صقيعا على قلبها الصغير وقد تدثّر بعباءة مراكشية ثقبها الزمن, وهمس : مليكة .. أيتها الغريبة هنا منفاك وموتك, قلبي يقطر عليك جوى, سامحيني ..لا أستطيع أن أمنحك دفئا ولا عطورا ولا فساتين, فأنا خاو وحزين .
تحسست مليكة تذكرة القطار .. صفراء ملتوية تتأهب لقطار العاشرة . فتحت مجلة ( باري   ماتش )..أخبار سيدات المجتمع المخملي وفضائحهن ّ تتربّع الصفحات الأمامية بخطوط عريضة برّاقة . وهبطت ذكرى خطيبها عبد الله العمروش الذي اختطفه جلاوزة مولانا الباشا أعزّه الله وأطال عمره ؛ فعانقتها بصمت وأنشدت لها عشرين موشحا وتوسلت : فرّج الله كربتك أيها الحبيب.
بدا حذاؤها قذرا ..هنا وسخ العالم وفئرانه وبعوضه وطينه ، وأخرجت منديلا من ( هاي فاين ) ومسحت الحذاء وشكرت الشركة الوطنية الجزائرية للنسيج والملبوسات القطنية لأنها لم تزد بعد في أسعار مناديلها.. ثمّة بقع بيضاء عليه . وفكّرت : كيف يمكن تلميع الحذاء جيدا ؟ فوهران الحلم بعيدة ، ولا بدّ أن يبدو حذاؤها أحمر مقبولا حتى يليق بوجوه نساء وهران المشعّات ألقا وشبابا، اللواتي يجبن شوارع العربي بن مهيدي, وديدوش مراد، وجميلة بوحريد، ليل نهار, ولا تهدأ لقاماتهنّ الممشوقة صارية ولا سفينة ولا ريح . وأخرجت أحمر شفتيها , وقرّرت أن تطلي بقاع البياض في وجهه.
يا لله كيف يهبط مارس كل عام ضبابيا غولا يفترس شغاف القلب ، ويلدغ الأماني , ويسمّمها بالأفيون والكوكائين ورمال الصحراء! . وشدّت حزام معطفها الذي بدأ يرتجف لوقع صقيع مار س، لو أنّ مولانا الباشا يطلق سراح خطيبها عبد الله العمروش لأسرعت وطلبت منه أن يشتري لها معطفا وواقيات مطرية تقيها من أمطار مارس الطينية . آه .. أين أنت يا ( العمروش ) .. تركت قلبي يمامة مذبوحة على أرصفة تلمسان وأزقتها الضيقة ، وها أنت تستلذّ سجنك , وتعاقر الشمّا والأفيون , وتلعب الدومينو ، وتراهن على أحصنة الأحزاب النافقة .. كم قلت لك إنّ هذه الأحصنة لا خيار فيها ولن تصحو من كبوتها أبدا ، لكنّك لم تصدّقني ، وها أنت ترقد وحيدا ثملا بالفاجعة القاتمة، و رفاقك الأشاوس في الأحزاب يبنون الفيلات ، ويستوردون الكاديلاك ، ويبتنون الإماء والسراري ، ويصنعون الدفوف والمفرقعات الملوّنة . تبا للبوليتيكا الخامجة (1) . . ما أورثتنا إلاّ الفقر وذلّ الحاجة وسيوف السجانين .
****
وهران الجميلة بعيدة , يقابلها البحر وحمامات السونا ومقصورات نساء العسكر العظماء، وشاطئ السانية يفترش الرمال مراقباً السماء ، ونوارس البحر , وفي الطرف الآخر تشعّ منائر( أليكانت ) الأسبانية البيضاء التي اغتصبها جنود الأسبان يوم كان وزراء الطوائف يتعاركون على غنائم الحروب وسباياها الحسان . وقالت مليكة : خذني أيها النورس إلى ( أليكانت )، لكن ّ النورس أغطس منقاره في صفحة الماء وأخذ سمكة ملوّنة شهيّة وابتسم بصفاء وبهجة وأخذ يغني الموشح الأندلسي :(( أيها الساقي إليك المشتكى … قد دعوناك وإن لم تسمع )) .
ــ خذني أيها النورس أغن لك أجمل ما قالته العرب , وأجمل ما لحّنه الأجداد , وأبدع ما غنّته جواريهم الحسان .
لكنّ النورس تأمّلها جيدا ، وقال : أيتها الفاتنة الحسناء ، أنا أكره الأحزاب السياسية.
وهمست مليكة : يا للغبي من قال له : إني أحبّ الأحزاب السياسية .
ــ أيها النورس : ها جدائلي وقلبي .. اربطني بجناحيك .. أشعلني وجدي وتوقي , ومسامات قلبي امتلأت بأضرحة الأجداد ، ونخيلهم , وهاماتهم السمر .
وقال النورس : خذي نصف هذه السمكة ولا تثرثري .. ألا تعرفن إلاّ الثرثرة ، وتهريب الحشيش يا نسوة تلمسان ؟
وأقسمت مليكة برأس والدها , وضريح سيدي مسعود أنّها لم تهرّب جرعة حشيش طوال حياتها . وهزّ النورس رأسه ممتعضا : هل تعتقدين أني مغفّل حتى أصدّقك .
          تموتين شريدة في تلمسان ، تنبحك الكلاب ، تتعفّن عظامك ، لا كفن ولا سرو تظللك ..       مليكة بنت الأخضر .. هنا نور الشمس والمقبرة ، وقاذورات ال

المزيد


شتاءات في المنفى ـ قصة قصيرة

حزيران 22nd, 2008 كتبها mohamad younes نشر في , قصص محمد عبد الرحمن يونس القصيرة

شتاءات في المنفى
قصة قصيرة
د ـ محمد عبد الرحمن يونس
 
عندباب المدينة العتيقة يفترش الناس أرصفة الأزقة… تلتفّ زقاقات المدينة… تنحنيتدور… تتقاطع، ثم تلتقي عند وجه المرأة الزاحفة على قدميها ويديها حاملة رضيعاًينوح… يضيع صراخه وسط أصوات بائعي الملابس والأحذية. امرأة جميلة يحاصرهاعشيقها.. يدغدغ خصرها… تتلوى متأملة عطور المخزن.‏
ـروحي… أريد هذا البارفان.‏
ـلعينيك الحالمتين يحضر ألف بارفان… هذا لك… وهذا وهذا.. يقبض البائع ثمن العطرتقبض الفاضلة زجاجة العطر.. تضمّها إلى صدرها… تقبلها… تخبئها بعناية فيحقيبتها الجلدية السوداء.‏
شاببشاربين مفتولين يفرش زجاجات العطور المهربة من سبتة.‏
ـأوكازيون… أوكازيون…. أربعون درهماً يا رخص العطر.‏
ـأستاذ!.‏
ـ نعميا أخي.‏
لحيتكطالت.. ألا تلاحظ ذلك؟..‏
تحسستلحيتي… فعلاً كانت طويلة.. يغطيها الشيب من أطرافها.. طالت على غير عادتها، منذأن دخلت هذه المدينة الحلم لم أفكر بحلاقتها… تطاولت حتى ضاهت ذقن سيدنا الشيخوالخوري…‏
يلزمني فقط سبحة بمائة حبة وحبة حتى اكتسب المشيخة عن جدارة… لاقيمة للحية بدون سبّحة ولا لسبّحة بدون لحية… هذه إحدى علامات المشيخة… ألم يكنأبي شيخاً بمائة وحبة، وجدي كذلك..؟‏
ضحكتمن كلمة أستاذ هذه التي أسمعها أحياناً.. أي أستاذ أنا؟ أي نوع من الأساتذة نحن خريجو الجامعات الذين نتحول إلى مهندسي شوارع صباحاً ومساء وظهراً..؟ نجوبالأزقة.. نتأمل وجوه الحسناوات المصبوغة بطلاء المدينة وكحلها الطيني… نجوبالمساءات علّ واحدة تعطف علينا بابتسامة من سحر عينيها الملطختين بالمكياجالأخضر… لكن العينين الخضراوين تطيران سريعاً وتحطّان على أقرب سيارة فياتريكاتا… وعلى أقرب رجل منتفخ الرقبة والمعدة… أي أستاذ أنا إذا هذا الذي لايملك درهماً واحداً في ليلة مجنونة كهذه؟…‏
المطريسقط سيلاً… وحذائي يسكر ماء الشارع… تفتقت جوانبه عن مسامير نافرة نحوالأعلى… كلّما تقدّمت انغرزت المسامير في أصابعي وباطن قدمي… وتشكّلت بحيرة طينغاصت قدماي بها حتى القاع.‏
بردينفذ إلى الأعماق… يثقب جثتي الراقدة منذ ألف قرن… ويقذفها على رصيف البارودي.‏
فيليلة راعفة كهذه احتاج إلى نجمة تحاصرني بعينيها المبتلتين دمعاً ساخناً… وتسدّعلي كل بوابات الريح العاتية التي تقتلعني في المساءات الحزينة… تلزمني سفينةمخمورة باكية… تأخذني بجنونها العذب وبكائها الساحر…‏وتكشفعن أشرعتها بصمت كي أرتحل صوفياً نحو الحزن المطلق… في ليلة داعرة كهذه أحتاج إلىحذَّاء كريم يصلح حذائي بالتقسيط.
أصابعي المتورمة كشفق المغيب الأبدي تئنّ مع زخّاتالمطر وصعود المسامير وهبوطها داخل البحيرات الطينية. في سوق الحذائين الحياةمرتعشة راعفة… الناس يروحون ويغدون، ويغازلون الأحذية المبتسمة المفترشة واجهات المحلاتالحريرية… زخات المطر تضرب سقف السوق التوتيائي عنيفة صاخبة.. حذاء طويل جميليغازل حسناء، تعانقها طاقية صوفية بوبر ناعم.‏
ـالشتاء بارد هذا العام يا سيدتي؟‏
تزمّشفتيها الحمراوين، وتستحضر أقرب تكشيرة وتقذفني بها.. أتراجع خطوات وأتكوّر صوبالحائط.. تدخل الحسناء الحانوت… يرتعش الحذاء ويقفز لاثماً عينيها الناعستينيدخل علبته الكرتونية الزرقاء. تحتضنه بحنان وتخرج هازّة رأسها ومؤخرتها… أسيرُمنحنياً.. تعب الأيام ووحشتها… لحيتي البيضاء منحنية هي الأخرى… تلزمها سبّحةبمائة وحبة.. وبائع البارفان يصرُ على بيعي الزجا

المزيد


مواجع الصبا وأحزانه ـ قصة قصيرة ـ د. محمد عبد الرحمن يونس

حزيران 8th, 2008 كتبها mohamad younes نشر في , قصص محمد عبد الرحمن يونس القصيرة

(مواجع الصبا وأحزانه)
  قصة قصيرة
   د.محمد عبد الرحمن يونس  
انفرجت أساريره.. هادئاً شفيفاًتقدّم.. هي ذي نجمة تومض بعيداً.. وأخذ يعاين النجمة، لكنّ غيمة مرّت سريعاًوغطّتها، فانقبض قلبه: مرّي أيتها الأيام الملعونة.. أسرعي.. دعيني.. فأنا مفرّغوحزين ومطرود من جنان الأرض والسماء.
حاول أن يفرد شراعاً لأساريره، لكنّهارفضت.. تحسس وجهه.. مليء بالتقاطيع.. أحسّها أودية واسعة تشرح جبهته وخديه.. هوالشباب يزوي.. وتخيّل نفسه ميتاً يتقاطر الأصدقاء والأعداء لتوديعه والشماتةبه
.
على شاطئ البحر مشى طويلاً.. مئات الشابات الحسناوات والرجال يثرثرونويمارسون كلّ ما هو منكر ولذيذ ومحرّم.. تأمّلهم جيداً.. لم يستطع أن يتذكّر واحداًمنهم.. أمعقول أن لا أعرف أياً منهم؟.
 أخذيعاينهم.. تمنّى لو يمتلك الجرأة ويكلّم أيّ واحد.. أو يكلّمه أيّ شخص كان.. بعضالنساء كانت ترمقه بازدراء وببرود.. بعض الرجال ينظرون إليه ببلاهة.. وأحسّ بالقهريفترسه.. كم غريب أنا؟
مدينتي بطولها وعرضها تتربّع جثّة طافية فوق سطح البحر.. يفترسها الذباب والطاعون والنساء والإيديولوجيا الرثّة، وأنا الغريب عنها.. ودعاالله وتوسل إليه كي يرى شخصاً يعرفه..
ساعتين وهويقطع الكورنيش غرباً وشرقاً، وما عرف أحداً.. مرّت سيدة بجواره.. ابتسمت.. ظنّ أنهاتبتسم.. له وهادئاً تأمّلها، ووسوس له خياله: قد تكون زميلته.. هو لا ينكر أنه صاركبيراً، وأنّ ذاكرته بدأت تضعف، وأن بصره نقص درجة أو درجتين، لكنّ وجه هذه المرأةلم تمحه ذاكرته المتعبة المطعونة بالسجون والخمارات والملاهي، وبكلّ ما هو حلالوحرام وحزن وغربة وحشيّة كحدّ المدية.. هي عينها زميلة الصبا.. هي الحلم الجميلالذي رافقه في صباه وشبابه وكهولته.
-
مدام.. من فضلك دقيقة واحدة
.
-
واكفهرّت.. غارت ابتسامتها.. مساحة الوجه الجميل هبطت عليها الوحوش والضباع وقطّاعالطرق، وعنجهية التجار ومقاولو الاستقلال. وما وقفت
.
-
لحظة من فضلك
.
-
أيهاالأحمق.. لماذا تطاردني؟.. ستفضحني
.
-
وتذكّر جيداً عندما كان شاباً يافعاً كيفكانت تزوره.. كان يشرح لها دروس الفيزياء والرياضيات.. وكان يلاعبها الشطرنج، ويقرألها أشعاراً استغرق أياماً وليالي طويلة في ترديدها وحفظها، وهو يتأمل نوارس البحر،وأشعة النجوم الهابطة عليه.. وعندما كان يحفظ القصيدة عن ظهر قلب كان يتألّق فرحاً،ويزداد وجهه صفاءً وطمأنينة، وينام على أعصابه علّ النهار يشرق ليسمعها هذه القصيدةالجميلة
.
-
وتذكّر مرّة أنّه غاب عن مدرسته أسبوعاً، ليتفرغ لحفظ قصيدة علي بنالجهم
:
عيون المها بين الرصافة والجسر

جلبن الهوى من حيث أدري ولاأدريأعدن لي الشوقالقديمولم أكن سلوت ولكن زدن جمراً على جمر
-
وأتته مساءً مشعّة كعادتها، وشرح لها درس التوابع،وقرأ لها القصيدة كاملة، وعندمااسترخت هادئة مدهوشة، ظنّ أنّها تحبّه، فاندفع ولمس يدها.. استسلمت لحظة.. ظنّ أنّهسيد البحار والمراكب.. وأنه السلطان المتوج بألف تاج وقمر ونجمة فوق قلب هذه الشابةوسهولها الخضراء الشاسعة.. وسرعان ما انتفضت فجأة، وتملصت:
-
عليك اللعنة يا بنالداشرة.. أنت تستغلّني وتدنّس طهارة أثوابي، وعظمة قبيلتي وعشيرتي
.
عليك اللعنةأيتها الحمقاء.. هل أنا عبد لأمّك وأبيك. ورمى الكتاب بوجهها.. تباً لك ولكل قصائدالشعر والغزل.. ولكلّ ما قالته الشعراء من غزل عذري وفاضح.. تباً لكل التوابعوالزوايا والمستقيمات.. ألا أستحقّ لمسة يد!.. وحزيناً طوى قصائده الملوّنة ولياليسهره الطويلة المضنية.. ودخل تجاويف دماغه وهادئاً جمع كل ما قرأه وأضرم النارفيه.. لتذهبي أيتها القصائد رماداً وهباءً لن ينبعث أبداً، ومن يومها قرر أن لايقرأ كلمة أدب واحدة، وأن لا يحفظ بيتاً شعرياً واحداً
.
-
لحظة واحدة من فضلك.. ألست وفاء الملياني؟

-
نعم.. أنا هي.
-
ألست صديقتي السابقة.. ألاتذكرينني؟.. كنا نقرأ في ثانوية واحدة
.
-
أنا لا أعرفك يا هذا
.
-
انظري إليجيداً.. هي ذي ملامحي لم تتغير كثيراً
.
-
لا تحاول.. أنا لا أعرفك ولن أعرفك.. فلا تعذّب نفسك.. ابتعد وإلا أطلقت كلابي عليك؟

إذاً من العبث أن تحاول أيهاالغريب.. فهذه الجميلة المتألقة انتفاخاً وأبّهة لن تعرفك، وتأكّد أنّها زميلتهالأنيقة المعطّرة التي تفوح روائحها في زوايا القاعة الخامسة من ثانويته القديمة،والتي تقدّمت أربع مرات إلى الثانوية العامة، ولم تأخذها. وبعدها غابت،وسأل عنهاكثيراً.. قالوا إنها سافرت.
وغاب وتشرّد ورأى نساءً شتى في أصقاع الأرض، وطواهاالنسيان هي وغيرها من الجميلات.. وها هي تهبط أمامه فجأة بقامتها المديدة بعد هذاالغياب الطويل.. وهاهي تتنكر له
.
المرأة المتألقة بغبار الذكريات والعطور،والخطى الواثقة، الداخلة قوياً في صدى الذكريات.. الحاضرة القريبة البعيدة التيتنزع فساتينها وتتمدد شفيفة على رمال الذكريات، وترفو أحلامه البعيدة المثقوبة،وتخيط أكاليل ورد وطرحات بيضاء، ثم تلبسها، فتبدو سروة تتثنّى ببهائها الجليل،هي ذيتهبط إليه فتحاصره بحضورها الطاغي، ثم تعيد صياغة نظرياته الفلسفيّة حول الكونوالزمان،والغربة والمواجع، وتشعل مجامره المطفأة منذ زمن بعيد. وكم تمناها في تلكاللحظة، لكنها ابتعدت بنفور وحشي.وتركته مدمى وحشة وغربة، بعد أن هددته بالكلابوالوحوش والأزمنة السوداء
.
تابع خطاه.. البحر السيد الجميل المكلل بالقواربوالنوارس أطلّ على المدينة القذرة ببهائه. ورمقها ساخراً.. امتطّت أحلامه بعيداً.. بدا المدى شاسعاً هياباً.. قلبه الصغير استنفر أحزانه النائمة وراقصها.. تألفتغربته وهذا الوجع المزمن.. راقب النساء بأزيائهن المتناسقة والقبيحة.. كم بدتالكثير من النساء بلهاوات مليئات بالدمامة، وهن يتلطخن بأصباغ فاقعة لا تناسق ولاانسجام فيما بينها، وكان مهموماً وحزيناً. ولم يكن حزيناً لأن لا حبيبة ولا زوجةولا أمّ له.. ولا امرأة يطفئ مواجعه القديمة على شفا نهديها.. و ارتعاشات تأوّهاتهاالناعسة، فقد نسي أن يفكر في جسد المرأة، بعد أن اعتقد تماماً أن نساء المدينةمحصنات بالأصداف والأساور، والسيارات الفارهة، والكلاب الوالغة، وأنه لا مكان لهأبداً في عالم النساء الأسطوري المهيب المكلل بظلال الأسواق والمعاصي وبكلّ ما لذّوحلا، فانكفأت أمواجه، وخبت التماعات عينيه، ونام قلبه الصغير، وهمدت اختلاجاتجسده، وقرر ألا يفكر الدخول في هذا العالم الخرافي المليء بغابات خضراء شاسعة،وورود مزهوة جميلة، تقول عنها أخته إنها أجمل ورود العالم، وأكثرها نقاءً وعطراً
.
وقالت أخته: أيها الأحمق، حتى تستطيع أن تلج هذا العالم الخرافي يجب أن تمتلكلساناً منشاراً، يستطيع أن يحيك الكذب ببراعة متناهية.. اكذب على المرأة قل لها أنتجميلة وأميرة.. تغنّ بجمالها، حتى ولو كانت شوكة برية.. قل لها لك رائحة المساء،حتى ولو كانت لها رائحة الخنازير الفتّاكة.. شكّلها وردة مشعة.. قل لعينيها شعراًمهما كانتا باهتين، ولا تعتقد أنها لا تعرف أنك تكذب عليها.. ولن يزعجها ذلك.. وستحتقرك إن كنت صادقاً معها.. فالكثير من النساء يكرهن الصدق ويسخرن به.. اسمع منيما أقوله يا أخي عندئذ ستتدفق المرأة أمامك نهراً

المزيد


حياة ريجنسي و tv5 ـ قصة قصيرة . د. محمد عبد الرحمن يونس

حزيران 6th, 2008 كتبها mohamad younes نشر في , قصص محمد عبد الرحمن يونس القصيرة

 

حياة ريجنسي و Tv5 –

قصة قصيرة

 

د. محمد عبد الرحمن يونس



باحث وقاص وروائي وأستاذ جامعي

 
أحس عبد الله بكآبة خانقة داهمته فجأة .. فلاذ بالوحشة والفراغ، وأخذ يتأمل السماء العريضة .. فتش عن نجمة المساء .. وأخذ يدقق جيداً عله يرى نجمة واحدة .. عاين السماء من أطرافها .. يا لله متى تظهر النجمة.. لكن النجمة ظلت آفلة .. لو أن نجمة واحدة أضاءت بؤر قلبه الحالكة ، لاستحضر جواداً وشراعاً وسفينة ، وغادر المدينة والبلدة إلى غير رجعة ..

لو أن شخصاً في هذا العالم أهداه نجمة وسروة لاستظل بظلها طيلة حياته ، وانصرف جاداً إلى جمع أخبار الأجداد في حلهم وترحالهم وفتوحاتهم وهزائمهم، وأخبار جواريهم ونسائهم، ودسائسهن وغرامهن .. ولألّف كتاباً يفوق كتاب الأغاني والعقد الفريد، والروض العاطر في نزهة الخاطر.. ولبنى جزيرة وقصراً، واشترى أجمل جواري عكاظ، وابتنى بها على سنة الله ورسوله..

لكن الأحلام العريضة كانت تجمح بعيداً، تنخر مسامات روحه ،ولم يستطع مرة واحدة أن يحقق حلماً في حياته، فكثيراً ما كان مولانا الوالي أعزه الله وأيده بجنود من عنده يضبطه متلبساً شارداً حالماً فيقبض عليه، ويدخله أضيق الزنزانات الفردية بحجة أنه يحيك المؤامرات، وينظم الناس في الأحزاب السياسية المعارضة. قضى نصف حياته في الأحلام والسجون. والنصف الآخر في الجامعات العربية الخامجة التي لا تعرف مدرجاتها الا أدب الجاهلية ، وافر نقع وأحر نجم وإفعوعل، والحفظ الببغائي والستوكات الجاهزة ، ، وتاريخ الطغاة والظلمة وعروض الخليل بن أحمد الفراهيدي.. وعندما تخرج بدأ يتسكع ويعاين الشوارع العريضة، ومحلات العطور الفاخرة، والأحذية الإيطالية الساحرة، فعاد مولانا الوالي وقبض عليه ثانية بجرم إساءته لهدوء المدينة، وصفاء الشوارع وطمأنينة الناس. كان قد تعلم في أعوامه السابقة أن يستسيغ المرارة ويبتلعها.. وينام سعيدا في أبعد أكواخ المدينة القصديرية، بعيداً عن عربدات المدينة وحفلات سيركها ورقصها.

داهمته الكآبة وهذه الغربة الملعونة ، وقصفت الريح آخر نخيله، وهدمت كوخه ، وسدت الرماح والنصال بوابات شرايينه، وأخذ هازم اللذات أعز صديقاته وأخواته ، وأخذ أمه بعد أن دهستها سيارة فورد أمريكية ذات مساء في أجمل شوراع المدينة العريقة. وسجل البوليس الوطني العريق الحادثة ضد مجهول، وطوى مولانا القاضي قضية الدهس بأمر الوالي. لعدم وجود الأدلة القاطعة

وبعد أن غابت الوالدة الصديقة شعر بغصة حادة ، وأحس أن ما يحيط به يفقد لونه وطعمه، لم يعرف كيف يفكر أو ينام، أو يأكل .. فالحزن الأسود زاده اليومي.. بينه وبين معارفه القدامى الذين أصبحوا أكبر تجار المدينة وسماسرتها شرخ حاد يزداد يومياً، فيجعله منطوياً متسربلاً ومفجوعاً بنفسه ومدينته.. لم يعد قادراً على أن يتآلف والحزن.. كانت نخيله المسروقة وصحراؤه اللافحة كافية لأن تفتح ثغرة واسعة في مفاصله .. ومع تقدمه في العمر كان يأمل أن يتبدد حزنه لكن شيئاً لم يتغير.. فالميناء لا يزال بعيداً ، وما بانت سفينة واحدة، ونجمة المساء ارتحلت إلى الأبد، وها هو ينتظرها لعشرين سنة، لكن هذه الأليفة الهامسة الحبيبة الحلم تركت السماء

فانقبض قلبه وأحاطه الظلام .. والحياة أصبحت كابوساً .. والرغيف استمر هارباً.. والمدينة استمرت في إشعال طقوس رقصها .. لم يتعود الرقص ولم يفكر به .. لم الرقص طالما أن النجمة غائبة .؟. لم الرقص طالما أن الريح ملأت حقوله و بياراته برمالها وسمومها ؟ وطالما أن المدينة تقيم أفراحها اليومية ويرقص الناس من حولها ، فليشاهد منظر الناس والشوراع والحانات، فنادق الدرجة الأولى.

كفي أن يتأمل الراقصين .. وحتى لو حاول الرقص فإن رجليه ستخونانه دائماً. المهنة ليست له ، ليتركها لعباقرتها . ولتجار السوق السوداء، ولتجار الرقيق الأبيض والأسود والكوكائين، وأصحاب وكالات السيارات. حاول مرات عديدة أن يناشد الفرح ويستحضره. لكنه كان يهاجر دائماً .. مشى في شوارع المدينة وأزقتها.. لا يوجد زقاق واحد في المدينة إلا ويعرفه جيداً .. تأمل وجوه الناس والمتسكعين كانت محاطة بقفار شاسعة ، وبغابات محروقة، وصبيان مبتوري الأصابع، ونساء بلا أنوف .. أما بنايات المدينة الشامخة فقد ازدانت بالأعلام الوطنية والدعايات الأمريكية التي ترفرف مع أبواق سيارات المرسيدس.

قلب جيبي وسرواله.. وكانت الأموال على وشك النهاية … تباً لهذه الأموال التي تهرب دائماً .. عشرون درهماً وستون سنتيماً .. غداً تنتهي.. ومحال أن يجد العمل .. فالبطالة نصل وسيف ، سدت بوابات المدينة .. وحجبت ضوء الأفق .. والأشجار ظلت كابية .. والنوارس مقصوفة الجناح… وهاهي مدينة العمالقة والحضارات جثة مرمية على شاطىء البحر تنتهشها الغربان، وجواسيس الليل، ومقاولو البناء .. وأين يجد العمل؟

لم يعد يذكر عدد الطلبات التي تقدم بها إلى الشركات العامة والخاصة.. ولا وجوه السكرتيرات المصبوغات بالطين والكيروسين، و مساحيق أوروبا كافة .. لكن عينيه ما نسيتا أبداً اللافتات العريضة المعلقة على واجهة شركات المدينة جميعها. يومياً كان يقطع شارعي

المزيد


كوابيس ـ قصة قصيرة

شباط 20th, 2006 كتبها mohamad younes نشر في , قصص محمد عبد الرحمن يونس القصيرة

كوابيس
 قصة قصيرة
 
 د. محمد عبد الرحمن يونس
 
الإهداء إلى : أخي وصديقي الدكتور إبراهيم سعد الدين ـ القاهرة
الكابوس الأول:‏
يحاصرني الجند.. تشرئب أعناقهم، تلمع رماحهم كوميض برق.. يصطفون في أنساقمتلاحمة، تتشابك الرماح وتتعانق الخوذ، ترتفع الأيدي ومعها النصال، تضيق الحلقة منحولي وأصرخ، لا أحد يسمع صراخي، أستنجد بكل الذين عرفتهم.. يشيحون وجوههم عنيكعادتهم. تتقدم النصال من جسدي عقارب برية تقتلها الشهوة ثم تغرس أبرها السامة فيجسدي يتمركز نصل حول عنقي، ويغرس آخر في صدري، وثالث في ظهري، وتحاصرني البقية منالاتجاهات كافة.‏
يلوح شبح أمي، طيف خيال يمر مسلماً حزيناً ويمسح شفتيه الطريتين بقلبي، يشدنيلهنيهة ثم يرتحل غائباً لا طعم ولا لون له.‏
اقرأ يا ولدي سورة يس، حاولت أن استحضرها رفضت، قرأت قل أعوذ برب الفلق؛بدلاً منها، لكن الجند ما تزحزحوا من مواقعهم ولا اهتزت سيوفهم، وخزني أحدهم برأسالرمح في خاصرتي، دخل فيها مسافة إصبع أو إصبعين ثم عاد أحمر وردياً، كانت الليلةصقيعاً، والظلام يلف دروب المدينة، وصمت موحش يتوغل أعماق الظلمة، وتتسرب قطراتالوكف دلفة بعد دلفة عبر شقوق تشكلت في سقوف أكواخ البحارة المرمية بانسجام فيطرف الحارة الغربية، كانت عيونهم حمراء، وكانت أحذيتهم العسكرية طويلة وملمعةحديثاً، وكنت في وسط الحلقة حبة رمل في صحراء مترامية الأطراف، تائهاً افترشالرمال، مستسلماً لشمس الظهيرة في عز توهجها. لكزني آخر برمحه في جبهتي وسألنيغاضباً:‏
هل تتمنى شيئاً قبل أن تموت؟. لم تكن الأماني قادرة على الحضور، تتلاشى أمامالرماح المسلطة، ضاقت فسحات الأمل. لم أجد شيئاً أقوله للعسكري، كنت أعرف أني لاأريد شيئاً، طالما أن الأشياء لن تأتي أبداً. جاءني صوتها رقيقاً مثقلاً بالخيبة،هل قرأت سورة يس، إن لم تفعل فاقرأ قل هو الله أحد، لم أتمكن من قراءة السورةالكريمة، فجأة انقضت الرماح ضربة رجل واحد، انغرزت في مفاصل جسدي، تدفق دمي، تراجعالجند إلى الوراء بخطوة نظامية، كانت أبواقهم تملأ الفضاء. مرددين لحناً عسكرياًكذلك الذي يردد بعد الانتصارات. وكانت دمائي تملأ الساحة العامة.‏
الكابوس الثاني‏
تتمدد خطيبتي مسكونة بالعزلة على سرير أثري ورثته عن أجدادي الميامين، تتشامخذليلة، يحيط وجهها شعر أسود فاحم، تحدث في سقف الحجرة. أمد يدي، لا تصل، مسافةشاسعة تفصلني عنها. تناديني: اقترب، هات يديك يا ضو القلب، أحس بشلل يأكل مفاصلي،أمد اليدين.. عاجزتان عن الوصول. رغبة مجنونة في داخلي تعلو وتهبط، وقلب خطيبتييصرخ مكتنزاً، وأحس بدوار شديد يقذف بي في أعماق اللجة منفياً عاشقاً عاجزاً، تنتفضخطيبتي كعصفور مذبوح صارخة:‏
اقترب، تلفني الأمواج، أطفو فوق سطح الماء.. تدفعني نحو الأعماق ثم تعيدني قاذفةأملاحها في عيني، أتكور داخل السرير، وتتشابك أخطبوطات مشكلة حلقة دائرية أبدووسطها حبة رمل مرمية ف

المزيد