جموحات عبد الله الإدريسي
قصة قصيرة . د . محمد عبد الرحمن يونس
أحس عبد الله بكآبة خانقة داهمته فجأة .. فلاذ بالوحشة والفراغ، وأخذ يتأمل السماء العريضة .. فتش عن نجمة المساء .. وأخذ يدقق جيداً عله يرى نجمة واحدة .. عاين السماء من أطرافها .. يا لله متى تظهر النجمة.. لكن النجمة ظلت آفلة .. لو أن نجمة واحدة أضاءت بؤر قلبه الحالكة ، لاستحضر جواداً وشراعاً وسفينة ، وغادر المدينة والبلدة إلى غير رجعة .. لو أن شخصاً في هذا العالم أهداه نجمة وسروة لاستظل بظلها طيلة حياته ، وانصرف جاداً إلى جمع أخبار الأجداد في حلهم وترحالهم وفتوحاتهم وهزائمهم، وأخبار جواريهم ونسائهم، ودسائسهن وغرامهن .. ولألّف كتاباً يفوق كتاب الأغاني والعقد الفريد، والروض العاطر في نزهة الخاطر.. ولبنى جزيرة وقصراً، واشترى أجمل الجواري، وابتنى بها على سنة الله ورسوله.. لكن الأحلام العريضة كانت تجمح بعيداً، تنخر مسامات روحه ،ولم يستطع مرة واحدة أن يحقق حلماً في حياته، فكثيراً ما كان مولانا الوالي أعزه الله وأيده بجنود من عنده يضبطه متلبساً شارداً حالماً فيقبض عليه، ويدخله أضيق الزنزانات الفردية بحجة أنه يحيك المؤامرات، وينظم الناس في الأحزاب السياسية المعارضة. قضى نصف حياته في الأحلام والسجون. والنصف الآخر في الجامعات العربية الخامجة التي لا تعرف مدرجاتها الا أدب الجاهلية ، وافر نقع وأحر نجم وإفعوعل، والحفظ الببغائي والستوكات الجاهزة ، ، وتاريخ الطغاة والظلمة وعروض الخليل بن أحمد الفراهيدي.. وعندما تخرج بدأ يتسكع ويعاين الشوارع العريضة، ومحلات العطور الفاخرة، والأحذية الإيطالية الساحرة، فعاد مولانا الوالي وقبض عليه ثانية بجرم إساءته لهدوء المدينة، وصفاء الشوارع وطمأنينة الناس. كان قد تعلم في أعوامه السابقة أن يستسيغ المرارة ويبتلعها.. وينام سعيدا في أبعد أكواخ المدينة القصديرية، بعيداً عن عربدات المدينة وحفلات سيركها ورقصها.
داهمته الكآبة وهذه الغربة الملعونة ، وقصفت الريح آخر نخيله، وهدمت كوخه ، وسدت الرماح والنصال بوابات شرايينه، وأخذ هازم اللذات أعز صديقاته وأخواته ، وأخذ أمه بعد أن دهستها سيارة "فورد أمريكية" ذات مساء في أجمل شوراع المدينة العريقة. وسجل البوليس الوطني العريق الحادثة ضد مجهول، وطوى مولانا القاضي قضية الدهس بأمر الوالي. لعدم وجود الأدلة القاطعة، وبعد أن غابت الوالدة الصديقة شعر بغصة حادة ، وأحس أن ما يحيط به يفقد لونه وطعمه، لم يعرف كيف يفكر أو ينام، أو يأكل .. فالحزن الأسود زاده اليومي.. بينه وبين معارفه القدامى الذين أصبحوا أكبر تجار المدينة وسماسرتها شرخ حاد يزداد يومياً، فيجعله منطوياً متسربلاً ومفجوعاً بنفسه ومدينته.. لم يعد قادراً على أن يتآلف والحزن.. كانت نخيله المسروقة وصحراؤه اللافحة كافية لأن تفتح ثغرة واسعة في مفاصله .. ومع تقدمه في العمر كان يأمل أن يتبدد حزنه لكن شيئاً لم يتغير.. فالميناء لا يزال بعيداً ، وما بانت سفينة واحدة، ونجمة المساء ارتحلت إلى الأبد، وها هو ينتظرها لعشرين سنة، لكن هذه الأليفة الهامسة الحبيبة الحلم تركت السماء ، فانقبض قلبه وأحاطه الظلام .. والحياة أصبحت كابوساً .. والرغيف استمر هارباً.. والمدينة استمرت في إشعال طقوس رقصها .. لم يتعود الرقص ولم يفكر به .. لم الرقص طالما أن النجمة غائبة .؟. لم الرقص طالما أن الريح ملأت حقوله و بياراته برمالها وسمومها ؟ وطالما أن المدينة تقيم أفراحها اليومية ويرقص الناس من حولها ، فليشاهد منظر الناس والشوراع والحانات، فنادق الدرجة الأولى. يكفي أن يتأمل الراقصين .. وحتى لو حاول الرقص فإن رجليه ستخونانه دائماً. المهنة ليست له ، ليتركها لعباقرتها . ولتجار السوق السوداء، ولتجار الرقيق الأبيض والأسود والكوكائين، وأصحاب وكالات السيارات. حاول مرات عديدة أن يناشد الفرح ويستحضره. لكنه كان يهاجر دائماً .. مشى في شوارع المدينة وأزقتها.. لا يوجد زقاق واحد في المدينة إلا ويعرفه جيداً .. تأمل وجوه الناس والمتسكعين كانت محاطة بقفار شاسعة ، وبغابات محروقة، وصبيان مبتوري الأصابع، ونساء بلا أنوف .. أما بنايات المدينة الشامخة فقد ازدانت بالأعلام الوطنية والدعايات الأمريكية التي ترفرف مع أبواق سيارات المرسيدس.
قلب جيبي وسرواله.. وكانت الأموال على وشك النهاية … تباً لهذه الأموال التي تهرب دائماً .. عشرون درهماً وستون سنتيماً .. غداً تنتهي.. ومحال أن يجد العمل .. فالبطالة نصل وسيف ، سدت بوابات المدينة .. وحجبت ضوء الأفق .. والأشجار ظلت كابية .. والنوارس مقصوفة الجناح… وهاهي مدينة العمالقة والحضارات جثة مرمية على شاطىء البحر تنتهشها الغربان، وجواسيس الليل، ومقاولو البناء .. وأين يجد العمل؟
لم يعد يذكر عدد الطلبات التي تقدم بها إلى الشركات العامة والخاصة.. ولا وجوه السكرتيرات المصبوغات بالطين والكيروسين، و مساحيق أوروبا كافة .. لكن عينيه ما نسيتا أبداً اللافتات العريضة المعلقة على واجهة شركات المدينة جميعها. يومياً كان يقطع شارعي علال بن عبد الله، و













