مـدخـل في مدن ألف ليلة وليلة

آذار 13th, 2007 كتبها mohamad younes نشر في , بحوث محمد عبد الرحمن يونس ودراساته في ألف ليلة ولية

مـدخـل في مدن ألف ليلة وليلة

د. محمد عبد الرحمن يونس 

إنّ أهمّ  المدن التي ذكرتها حكايات ألف ليلة وليلة هي المدن الحضريّة القريبة من البحار والأنهار، والمليئة بالعمران والبساتين، والحمّامات والأسواق والخانات التجاريّة. وحكايات ألف ليلة وليلة هي حكايات المدينة العربيّة الإسلاميّة في أوج نموّها المعرفيّ والحضاريّ في العصر الوسيط، ومثاقفتها وعلاقاتها مع المدن الأخرى، والحضارات الأخرى الهنديّة والفارسيّة والصينيّة، وإن ابتعدت هذه الحكايات عن المدن المزدهرة، فإنّها لا تبتعد عن بنية هذه المدن إلاّ لتنتقل إلى مدن أسطورية وجزر تبدو غاية في الجمال، وكأنها الصورة النديّة لهذه المدن. يقول أحد الرواة واصفاً إحدى هذه الجزر: » فنظروا إلى تلك الجزيرة فرأوا فيها أشجاراً وأنهاراً وثماراً وبساتين، وفيها من جميع الفواكه والأنهار من تحت تلك الأشجار،  وهي كأنّها الجنّة «(1) وعموماً تبدو المدن التي يصل إليها الرّواة كأنّها جنان الأرض، من حيث التشكيل العمراني، ونشاط الحركة التجاريّة، وجمال النساء اللاتي يصفهنّ الرّواة بالأقمار المشعّة.

غير أنّ المدن التي وصفتها حكايات ألف ليلة وليلة ليست مدناً مدينية تماماً، بل تبدو علاقاتها علاقات بدويّة، على الرغم من استهجان الراوي المديني لعلاقات البادية، فحتى بغداد المركزيّة أو البصرة المدينة الحضريّة المهمّة في الليالي لا تخلو تماماً من علاقات البداوة وقيمها.

لقد كان رواة ألف ليلة وليلة وَلِعين بوصف المدن الكبيرة والارتحال إليها، في حين أنّ المدن الصغيرة لم تكن إلاّ محطّات سفر، يرتاح فيها الأبطال والتجّار، أو طرقاً إجبارية يضطرّ السرد للمرور بها للوصول إلى المدينة المركز الحلم، التي تحتضن الأبطال وتعطيهم المال والشهرة والنساء، وكل ما لذّ وطاب.

لخراسان وبغداد والبصرة الصدارة في الليالي، وتأتي بعدها من حيث الأهميّة القاهرة ودمشق، هاتان المدينتان المهمّتان اللتان لعبتا أدواراً سياسيّة وتجاريّة مهمّة في الدولة العربية الإسلاميّة. فدمشق كانت عاصمة للدولة العربية ـ أيام الأمويّين ـ التي بسطت هيبتها على جميع بلاد أواسط آسية (في التركستان)، وغربيّ الهند (باكستان اليوم)، وعلى شمال القارة الأفريقية، وعلى شبه جزيرة إيبيرية (إسبانية والبرتغال)، حتى أنّ الزحف العربي اجتاز جبال البرانس إلى فرنسة، ووصل إلى مدينة تور في الشمال الغربي من فرنسة.(2)

أمّا القاهرة فقد » مثّلت عاصمة المدنيّة « في ليالي ألف ليلة، إذ كانت » مصر تجذب التجار لا ليثروا من التجارة فيها ولكن ليروا مظاهر المدنيّة والخصب والثراء «(3). إلاّ أنّ مركزيّة القاهرة في الليالي أهمّ بكثير من دمشق، على الرّغم من أنّ دمشق في التاريخ كانت عاصمة للخلافة الإسلاميّة، وكانت أكثر مركزية من القاهرة. ولا ندري ما السبب الرئيس الذي جعل الرّواة يحتفون بالقاهرة أكثر من دمشق، إلاّ أنّه يمكن القول: إنّ » الإضافات الأخيرة التي أُضيفت إلى هذا الكتاب [كتاب ألف ليلة وليلة] الضخم حدثت في مصر، والراجح أنّ ذلك كان في أواخر عهد المماليك(4)، ولعلها وُضِعت في القاهرة () وهذا الرأي يمكن استنتاجه () من لغة هذا الجزء [الإضافات] فهي تشبه اللغة العربية في عصورها المتأخّرة وتقرب في كثير من الوجوه من اللغة المصرية الدارجة «(5). ولأنّ هذه الإضافات حدثت في القاهرة، فقد كان نصيب القاهرة في هذه الحكايات أكبر من نصيب دمشق، لأنّه من الطبيعي أن يسجّل الرواة أخبار مدينتهم قبل المدن الأخرى، وعلى الرّغم من ذلك فإن‍ّ ثمّة إشارات غير قليلة في الليالي إلى أهمية دمشق ومركزيتها أيام الدولة الأمويّة، وهذه الإشارات تجعلها تتفوق على مدن أخرى كثيرة، ومنها: الكوفة والقدس والإسكندرية وحلب وصنعاء وفاس، وغيرها من المدن العربية والأجنبيّة الأخرى الواردة في الليالي، والتي لا تتعدّى أن تكون محطات لاستراحات قصيرة جداً.

ويُلاحظ أنّ حكايات القاهرة لا تنتمي تحديداً إلى فضاءات القاهرة، بل إنّ الرّواة كانوا يعرفون أهمية بغداد المركز، ولذا فقد بدأوا بسرد الحكاية من القاهرة، ثم ارتحل أبطالهم
مع ارتحال السرد إلى بغداد المركز. وهكذا تنتهي بعض حكايات (القاهرة) في بغداد،
كحكاية
 »علاء الدين أبي الشامات «، وحكاية » علي الزيبق المصري «، وحكاية » علي المصري وزواجه ببنت ملك بغداد «.

وقد اعتبر الدّارسون أنّ الحكايات المصرية أضافها رواة محترفون إلى كتاب ألف ليلة وليلة، وقد عمل هؤلاء الرّواة على تضخيم حجم الكتاب بقصص عربيّة فيها الكثير من التقاليد الإسلاميّة، والأساطير الفرعونيّة والسير اليهوديّة في آن(6)، واعتبروا أنّ هذه الحكايات مرّت في ثلاثة أطوار:

1 ـ الطور الفاطمي: وفيه رُوِيت حكايات متأثّرة بالطلاسم والسحر والجن.

2 ـ الطور الأيوّبي: وفيه رويت قصص البطولة والحروب.

3 ـ الطور المملوكي: وتسجّل حكايات هذا الطور أخبار المدن والشطّار.(7)

ولم تسهم الإضافات الأخيرة إلى كتاب ألف ليلة وليلة، من قبل الرّواة المصريين، في ترجيح كفّة القاهرة على بغداد، لأنّ بغداد تمثّل الكلّ الحضاريّ والمعرفيّ المزدهر للدولة الإسلاميّة، ولأنّها تتربّع على عرش المجد السياسيّ في التوسّع والنفوذ والقوّة، يضاف إلى ذلك » أنّ القصاص المصري إذا تحدّث عن مصر ـ وهو منها وفيها ـ تحدّث عمّا يرى، وعبّر عمّا يسمع () أمّا إذا تكلم عن بغداد فإنما يتأثّر بعوامل أربعة: يتأثّر بما وُضِع من الأقاصيص الجميلة في بغداد، ويتأثّر بما ملأ الآذان وشغل الأذهان عن عظمة بغداد وأبّهة الخلافة، ويتأثّر بما ركّب الله

المزيد


الواقعي والتخيلي في ألف ليلة وليلة

حزيران 14th, 2008 كتبها mohamad younes نشر في , بحوث محمد عبد الرحمن يونس ودراساته في ألف ليلة ولية

الواقعي والتخيلي في ألف ليلة وليلة
د. محمد عبد الرحمن يونس
 
ما من عمل أدبيّ شعبيّ نال شهرة واسعة في آداب المجتمعات الإنسانيّة أكثر من ألف ليلة وليلة. وكثيرة هي الدراسات التي تناولت هذا العمل في جوانبه المتعدّدة، بوصفه نتاجاً معرفيّاً وحضاريّاً لكثير من الأمم والشعوب. ويمكن القول: إنّ حكايات ألف ليلة وليلة تعبّر عن مخزون الذاكرة المعرفيّة الجمعيّة للمجموع الإنسانيّ عبر رحلته التاريخيّة والحضاريّة، هذه الذاكرة التي عايشت تاريخ المجتمعات، وعاداتها وأحوالها، والتحولات الفكريّة والسياسيّة لهذه المجتمعات في تطوّرها الحضاريّ. ومن هنا فإنّ السرد الحكائيّ في ليالي ألف ليلة وليلة ليس سرداً بعيداً عن الإيديولوجيا الّتي تشكّل خلفيّة معرفيّة، يؤسّس عليها الرّواة مقولات أبطالهم الفكريّة، وحركة هؤلاء الأبطال، وما يقومون به من أفعال، وليس هذا السرد بعيداً عن التاريخ والسياسة. وكل محاولة لدراسة حكايات ألف ليلة وليلة بعيداً عن بنية المجتمعات التي تتحدّث عنها اللّيالي ستفرض علينا اعتبارها عملاً تخيليّاً صِرْفاً، وبالتالي ستفقدنا المتعة الكامنة في السرد الحكائيّ المرتحل في مدن هذه المجتمعات، وفضاءاتها المتعددة، وعلاقاتها الإنسانيّة والطبقيّة الّتي يمكن أن تكون علاقات قد قامت فعلاً، في زمان تاريخيّ معيّن، وفي فضاء مكانيّ معروف.
وإذا كانت ‎حكايات ألف ليلة وليلة تنهل من كثير من الأبعاد الأسطوريّة والخرافيّة، والأحلام البشريّة الجمعيّة الجامحة للطبقات الوسطى والفقيرة، فإنّ ذلك لا ينفي أن تكون هذه الحكايات قد نهلت من بنية الواقع بعلاقاته وعاداته، ومكوّناته الفكريّة والرؤيويّة، ولا ينفي أن تكون هذه الحكايات رصداً أنثروبولوجياًلحضارة الجماعات البشريّة بأزمنتها وأمكنتها، لأنّ هذه الأزمنة والأمكنة ـ وإن كان من المحتمل أن تكون تخيّليّة متشكّلة بفعل الخبرات المعرفيّة للرّواة الذين قرأوا كثيراً من معارف عصورهم والعصور التي سبقتهم أو حفظوها بعد أن سمعوها شفاهياً ـ قد تكون حقيقيّة، بل هي أقرب إلى الحقيقة منها إلى التخيّل.
إنّ وضع اللمسات على الحدود الفاصلة بين ما هو واقعيّ وبين ما هو تخيّليّ وحلمي في ألف ليلة وليلة من الصعوبة بمكان، إذ لا يمكننا أن نحدد بدقّة متى ينتهي الواقعيّ ومتى يبدأ التخيّلي، لأنّ الواقعيّ في مدن ألف ليلة وليلة يبدو أحياناً أغرب من التخيّلي نفسه، من حيث سحريّته وعجائبيّته.. وكذلك نجد أنّ السّرد التاريخي في حكايات ألف ليلة وليلة، وفي بعض الأحيان، لا يعني مجرد ذكر الحادثة التاريخيّة بشخوصها و أفعال هذه الشخوص، وعلاقاتهم في الزمان والمكان، بل هو يخرج عن إطار الحدث ومحدوديّته ومصداقيّته، ليصبح سرداً مؤسطراً يتجاوز ما هو تاريخيّ إلى ما هو تخيّلي وحلمي. فعلى سبيل المثال يُلاحظ ـ أحياناً ـ أن السّرد الذي يذكر الخليفة العباسيّ هرون الرشيد يتخطّى حدود التاريخ، ليُدخل هذا الخليفة في دائرة العجائبيّ الأسطوريّة، إذ يبدو مستهتراً ماجناً، وعاشقاً مغتلماً، لا همّ له إلاّ إشباع لذائذه الجنسيّة، وباطشاً مستبدّاً بأقرب المقرّبين إليه، وزيره جعفر البرمكي، وقادراً على إخضاع الجان لمشيئته.
ويبدو أنّ الراوي سبق له وأن رأى كثيراً من أخطاء الدولة العباسيّة، وتجاوزات خلفائها وسلطاتها لما هو شرعي ودينيّ وأخلاقي، فعمد إلى تبنّي إيديولوجيا مضادة لإيديولوجيا هذه الدّولة، ومن خلال هذه الإيديولوجيا المضادة أضفى على تاريخ خلفاء هذه الدولة ـ ومنهم الخليفة هرون الرشيد ـ سرداً نأى عن ا

المزيد


سيرة الحجاج بن يوسف الثقفي في ألف ليلة وليلة

شباط 20th, 2006 كتبها mohamad younes نشر في , بحوث محمد عبد الرحمن يونس ودراساته في ألف ليلة ولية

سيرة الحجاج بن يوسف الثقفي في ألف ليلة وليلة
ملامح الاستبداد والطغيان

 

 

 

د. محمد عبد الرحمن يونس

باحث وقاص وروائي سوري

 

من الولاة الّذين قدّمتهم حكايات ألف ليلة وليلة تقديماً ساخراً الحجّاج بن يوسف الثّقفي (40-95هـ/660-714م)، فهو ظالم غشوم، يختطف زوجات المسلمين ويقدّمهنّ هدايا لسيّده الخليفة عبد الملك بن مروان، كما تصوّره حكاية » نعم ونعمة «، إذ تكشف الحكاية عن امرأة جميلة اسمها » نعم «، وقد كانت زوجة لـ » نعمة بن الرّبيع «، و » لم يكن بالكوفة جارية أحسن ولا أحلى ولا أظرف منها، وقد كبرت وقرأت القرآن والعلوم، وعرفت أنواع اللّعب والآلات، وبرعت في المغنى و آلات الملاهي، حتى أنّها فاقت جميع أهل عصرها «(1) وكما يشيع خبر جميع النّساء الجميلات في مدن ألف ليلة وليلة فقد شاع خبر جمال هذه المرأة في مدينة الكوفة، فيسمع بها الحجّاج، ويقرّر أن يحتال عليها ويخطفها، ويقدّمها هديّة للخليفة الأمويّ عبد الملك بن مروان.

 

و لأنّ لعجائز ألف ليلة و ليلة قدرات متميّزة على النصب و الاحتيال، فإنّ الحجّاج يلجأ إلى إحداهنّ لمساعدته في حبك الحيلة، واختطاف » نعم «. يقول الرّاوي(2) » ثمّ استدعى بعجوز قهرمانة وقال لها: امضي إلى دار الرّبيع واجتمعي بالجارية نعم، و تسبّبي في أخذها، لأنّه لا يوجد على وجه الأرض مثلها، فقبلت العجوز من الحجّاج ما قاله «.

وبطبيعة الحال، فإنّ عمليّة اختطاف الجارية سيكون لها مكافأة ماليّة كبيرة يقدّمها الحجّاج إلى القهرمانة ، وهو مستعدّ لتقديم هذه المكافأة، طالما أنّ خطف هذه الجارية سيحقّق له مكافأة أهمّ، وهي زيادة حظوته عند عبد الملك بن مروان، وبالتالي تغاضي هذا الأخير عن عبث الحجّاج بالمجتمع الإسلاميّ، وتنكيله بشرفاء هذا المجتمع، كما هو معروف تاريخيّاً، إذ أسرف الحجّاج في قتل الناس، ولم يرحم شيوخهم وهم على حافّة الموت، بل أمر بضرب أعناقهم كمال فعل مع الشّيخ عمير بن صابئ(3).. وقد أُحصِي من قتله الحجّاج بن يوسف »فوُجِد مائةً و عشرين ألفاً، ومات و في حبسه خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف امرأة، (…) و كان يحبس النّساء و الرّجال في موضع واحد، ولم يكن للحبس ستر يستر النّاس من الشّمس في الصّيف ولا من المطر والبرد في الشّتاء «(4)، مع العلم أنّ جميع هؤلاء القتلى والمساجين » لم يَجِب على أحد منهم قطع ولا قتل «(5).

 

ويقول راوي(6) الحكاية: » ثمّ إنّ العجوز توجّهت إلى الحجّاج. فقال لها: ما وراءك؟ فقالت له: إنّي نظرت إلى الجّارية فرأيتها لم تلد النّساء أحسن منها في زمانها. فقال لها الحجّاج: إن فعلت ما أمرتك به يصل إليك منّي خير جزيل. فقالت له: أريد منك المهلة شهراً كاملاً. فقال لها: أمهلك شهراً «.

وتستطيع القهرمانة خلال هذا الشّهر أن تقدّم نفسها لـ » نعمة بن الربيع « وزوجته » نعم « وأسرته، على أنّها مثال للزّاهدة المتعبّدة، الفانية عمرها في الرّكوع والسّجود والدّعاء والصّوم. وعندما يتأكّد كل من في الدّار أنّهم أمام سيّدة زاهدة، تختلي العجوز بالجارية » نعم « وتقول لها(7): » يا سيّدتي والله إنّي حضرت الأماكن الطّاهرة ودعوت لك، وأتمنّى أن تكوني معي حتى تري المشايخ الواصلين ويدعون لك بما تختارين « . وتنطلي الحيلة عليها، وعلى أمّ زوجها، عندما كان زوجها خارج منزله، إذ تقول » نعم «(8) لأمّ زوجها: »سألتكِ بالله أن تأذني لي في الخروج مع هذه المرأة الصّالحة لأتفرّج على أولياء الله في الأماكن الشّريفة، وأعود بسرعة وقبل مجيء سيّدي «. وأمام دهاء العجوز القهرمانة وورعها الزّائف، وتوق الجارية لزيارة الأماكن الشّريفة، اضطرّت الأم لأن تسمح لزوج ابنها بالخروج، وما إن تخرج الزّوجة » نعم « من دارها حتى تسارع القهرمانة بالاحتيال عليها، وأخذها إلى قصر الحجّاج بن يوسف بالكوفة، القصر الذي تظنّه » نعم «، للوهلة الأولى، مكاناً طاهراً يجتمع فيه أهل الذّكر من أولياء الله الصّالحين: »

 

 ثمّ أخذت الجارية بالحيلة وتوجّهت بها إلى قصر الحجّاج، وعرّفته بمجيئها بعد أن أدخلتها في مقصورة، فأتى الحجّاج ونظر إليها، فرآها أجمل أهل زمانها ولم ير مثلها، فلمّا رأته نعم سترت وجهها، فلم يفارقها حتى استدعى حاجبه وأركب معها خمسين فارساً ، وأمره أن يأخذ الجارية على نجيب سابق، ويتوجّه بها إلى دمشق، ويسلّمها إلى أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، وكتب له كتاباً«(9).

إنّ للعجائز في ألف ليلة وليلة قدرة عجيبة على المكر والإحتيال، إذ تشير حكايات اللّيالي إلى أنّ هذه العجائز اكتسبن في حياتهنّ، و من خلال تعاملهنّ مع رجال عصرهنّ ونسائهنّ، خبرة كبيرة في اصطياد الجواري الجميلات، وتقديمهنّ للرّجال العشّاق، مقابل مكافأة مالية. وكان الرّواة جريئين عليهنّ، فعلى سبيل المثال نجد أنّ أحد الرّواة يصف العجوز شواهي ذات الدّواهي في حكاية » عمر النعمان وولديه شركان وضوء المكان « بالعاهرة(10)، و بـ » سيّدة العجائز الماكرة و مرجع الكهّان في الفتن الثّائرة «(11). وفي حكاية » علي الزيبق المصري ودليلة المحتالة ابنتها زينت النّصّابة «، يصف الرّاوي العجوز دليلة المحتالة بأنّها أخبث من إبليس الذّي كان قد تعلّم المكر منها، فقد كانت » صاحبة حيل وخداع ومناصف وكانت تتحيّل على الثّعبان حتى تطلعه من وكره! و كان إبليس يتعلّم منها المكر ! «(12). والعجوز في حكاية » نعم و نعمة « متقنّعة بثياب الزّهاد، و » في تسبيح وابتهال وقلبها ملآن بالمكر و الاحتيال «(13).

 

ولا تخلو مدينة من مدن ألف ليلة وليلة من العجائز الماكرات والمحتالات، إلاّ أنّه من الملاحظ أنّ أهمّ المدن الإسلاميّة في ألف ليلة وليلة، والتي تجد فيها هذه العجائز مرتعاً خصباً لممارسة عمليّات النّصب والاحتيال، هي بالترتيب: بغداد والقاهرة و دمشق، وبخاصّة في عهدي الدّولتين الأمويّة والعبّاسيّة. ويمكن تفسير ظاهرة النّصب والاحتيال في هذه المدن،بأنّها كانت نتيجة لتفشّي ظاهرة الطّغيان والتسلّط ـ في هاتين الدّولتين اللّتين حكمتا هاته المدن ـ من جهة، وما رافق هذه الظاهرة من ظلم الحكّام وفجورهم وابتعادهم عن هموم شعوبهم ومصائبها من جهة أخرى. ومن هنا كانت الحيلة، في بنيتها العميقة، حيلة ضدّ المظالم، وضدّ المجتمع نفسه، بجميع تشكيلاته الطّبقيّة سياسيّاً واجتماعيّاً.

 

وتورّط في هذه الحيلة الفقراء والأغنياء، النّساء و الرّجال، رجال السلطة و عامّة الشعب. فالشخصيّة المستلبة المحرومة من لقمة عيشها تحتال لأجل هذه اللقمة، و الأغنياء يحتالون لزيادة ثرواتهم، و الملوك و السلاطين و الخلفاء يحتالون لزيادة جواريهم و أملاكهم، و الوزراء يحتالون على ملوكهم و بناتهم الأميرات الجميلات، و نساء السلطة المتخمات ثراءً و بطراً يحتلن لإشباع متطلباتهنّ الجنسيّة و المحرّمة، و نساء التجار تحتال على أزواجهن للخروج من المنازل و الوصول إلى عشّاقهنّ من الغلمان الظرفاء، و القهرمانة العجوز في حكاية » نعم و نعمة « تجد نفسها مندفعة للتورّط في الحيلة، لأنّها تحقّق من خلالها امتلاك الثروة من جهة، و تأمن شرّ السلطة السياسيّة و بطشها من جهة أخرى، فهي لا تستطيع أن ترفض طلب والٍ ظالم كالحجّاج بن يوسف الثقفي.

 

 

و قد أدّى سعار التجديد الجنسيّ عند شخوص ألف ليلة و ليلة في المدن الإسلاميّة، في أحيان كثيرة، إلى ظهور نوع من العجائز المحتالات، و العارفات بفنون الصبوة و العشق و سعار الجسد، و المتخصّصات في خطف النساء، إلاّ أنّ حيل العجائز في الليالي ليست قصديّة، أو ليست موجودة عند هذه العجائز لأنّ لهنّ طاقة عجيبة على الشرّ و المكر، وعلى تعليم إبليس فنون الحيلة كما يرى أحد الرّواة، و كما أشير إلى ذلك سابقاً، بل لأنّ المجتمع الذي عايشته هاته العجائز هو مجتمع التّباين الطّبقي، ومجتمع الذّكور الذي تُحرم فيه النّساء من كثير من امتيازات الرّجال، المجتمع الذّي يلد الرّجال، » أي ما يمكن أن نقول عنه، بأنّ الرّجل يلد الرّجل، والذّكر داخل ابنه الذّكر، واسم الدّم والمنيّ داخل الابن، وحسب هذا النّظام كانت المرأة (…) الجهيض المنحرف و الثّانوي«(14) و من هنا فإنّ حيلة النساء بشكل عام في اللّيالي كانت نتيجة للبنى الاقتصاديّة و الاجتماعيّة والسّياسيّة الفاسدة، التي يشكّلها الحكّام الذّكور، ورجال السّلطة الأقوياء، والتي يُؤذى منها، بالإضافة إلى النّساء، الرّجال الفقراء الفاقدون لجميع وسائل القوّة والملكيّة. ويرى أحد الباحثين أنّ » ظاهرة العجوز [المحتالة] في اللّيالي تجسيد لمعاناة الجواري و الحرائر على حدّ سواء بكل جوانبها المضطربة مما جعل سلوكها في اللّيالي امتداداً للذّات المحرومة فراحت تخطّط لتحقيق آمال تعينها على سحق الحرمان بسلوك كان يعتبره المجتمع السّائد مقبولاً بالإضافة إلى خضوعه للوقائع اليوميّة في ممارسات الحياة «(15).

 

 

وبالعودة إلى حكاية » نعم ونعمة « يُلاحظ أنّ الحجّاج لا يعمل على العبث بأمن مواطنيه في الكوفة، وتفريقهم عن أزواجهم، وتهجيرهم قسريّاً عن أوطانهم، ونشر بذور الفساد، وذلك بتشجيع مفاهيم الاحتيال و الاختطاف فحسب، بل هو يكذب على الخليفة عبد الملك بن مروان، ويدّعي أنّه اشترى له الجارية الجميلة » نعم « بعشرة آلاف دينار.

يقول الرّاوي(16): » فتوجّه الحاجب و أخذ الجارية على هجين، وسافر بها وهي باكية العين من أجل فراق سيّدها، حتى وصلوا إلى دمشق، و استأذن على أمير المؤمنين فأذن له، فدخل الحاجب عليه وأخبره بخبر الجارية، فأخلى لها مقصورة. ثم دخل الخليفة حريمه فرأى زوجته، فقال لها: إنّ الحجّاج قد اشترى لي جارية من بنات ملوك الكوفة بعشرة آلاف دينار، وأرسل إليّ هذا الكتاب وهي صحبة الكتاب «.

إنّ سلوك الحجّاج في الحكاية، و هو يخطف النّساء، ويؤسّس لما يهدم القيم الإنسانيّة في المدينة الإسلاميّة، من كذب واحتيال،و تفريق بين المحبّين، وتهجير قسري لهم، ليس غريباً أو بعيداً عن مجمل مواقفه وتصرّفاته التّاريخيّة التي كانت معادية لجميع مفاهيم الحقّ والعدل، والرّحمة بالرّعيّة. وهاهو يعترف بنفسه أنّ فيه كثيراً من العيوب التي تؤكّد معاداتها للمفاهيم الإنسانيّة التي يجب أن يتحلّى بها من يصبح والياً على المسلمين، من خلال حواره الآتي مع الخليفة عبد الملك بن مروان: » وقال عبد الملك بن مروان للحجّاج: إنّه ليس من أحد إلاّ و هو يعرف عيب نفسه، فصِف لي عيوبك.

قال: أعْفِني يا أمير المؤمنين.

قال: لست أفعل.

قال: أنا لجوج لدود حقود حسود.

قال: ما في إبليس شرٌّ من هذا))(17).

 

ويدين الرّاوي في حكاية » نعم ونعمة « جلاوزة الحجّاج، وصاحب شرطته، إذ يصوّره متقاعساً عن كشف جرائم الاختطاف التي تحدث في الكوفة، ومتواطئاً مع سيّده الحجّاج في التّغطية على خطف » نعم « جارية » نعمة «، إذ بعد أن تُخطف الجارية يشكّ » نعمة « بأنّ الذي خطف جاريته هو صاحب الشّرطة، فيتوجّه إلى داره، ويتوعّده بأنّه سيشكوه إلى الحجّاج إن لم يرجع الجارية له. يقول الرّاوي(18): » ثمّ توجّه إلى صاحب الشّرطة فقال له: أتحتال عليّ وتأخذ جاريتي من داري فلا بدّ لي أن أسافر وأشتكيك إلى أمير المؤمنين. فقال صاحب الشّرطة: ومن أخذها؟ فقال: عجوز صفتها كذا وكذا، وعليها ملبوس من الصّوف وبيدها سُبْحة عدد حبّاتها ألوف. فقال له صاحب الشّرطة: أوقفني على العجوز وأنا أخلّص لك جاريتك. فقال: و من يعرف العجوز؟ فقال له صاحب الشّرطة: ما يعلم الغيب إلاّ الله سبحانه وتعالى. وقد علم صاحب الشّرطة أنّها محتالة الحجّاج، فقال له نعمة: ما أعرف حاجتي إلاّ منك وبيني وبينك الحجّاج. فقال له: امضِ إلى من شئت. «. إلاّ أنّ خيبة » نعمة بن الرّبيع « كانت شديدة عندما استمع إلى المسرحيّة الهزليّة التي افتعلها الحجّاج مع صاحب شرطته، طالباً منه أن يبحث عن العجوز المحتالة، وعن الجارية » نعم «، ويعيدها إلى صاحبها: » فقال [الحجّاج]: هاتوا صاحب الشّرطة فنأمره أن يفتّش على العجوز.

 

 فلمّا حضر صاحب الشّرطة قال له: أريد منك أن تفتّش على جارية نعمة بن الرّبيع. فقال له صاحب الشّرطة: لا يعلم الغيب إلاّ الله تعالى. فقال له الحجّاج: لا بدّ أن تركب الخيل وتبصر الجارية في الطّرقات وتنظر في البلدان (…) والطّرقات وتفتّش على الجارية. ثمّ التفت إلى نعمة وقال له: إن لم ترجع جاريتك دفعت لك عشر جوارٍ من دار صاحب الشّرطة «(19).

و عندما سمع » نعمة « ما قاله الحجّاج، خرج يائساً وذهب إلى داره، فشاهده والده الرّبيع بن حاتم الذي كان من أكابر أهل الكوفة ووجهائها(20)، وخبيراً عارفاً بأخلاق الحجّاج وتجاوزاته، وتواطؤ صاحب شرطته، وتغطيته لهذه التّجاوزات، وتأكّد أنّ الذي خطف زوج ابنه هو الحجّاج بن يوسف الثّقفي. يقول الرّاوي(21): » وخرج نعمة مغموماً وقد يئس من الحياة، وكان قد بلغ من العمر أربع عشرة سنة، ولا نبات بعارضيه، فجعل يبكي وينتحب، وانعزل في داره. ولم يزل يبكي إلى الصّباح، فأقبل والده عليه وقال: يا ولدي إنّ الحجّاج قد احتال على الجّارية وأخذها، و من ساعة إلى ساعة يأتي الله بالفرج من عنده، فتزايدت الهموم على نعمة وصار لا يعلم ما يقول ولا يعرف من يدخل عليه. وأقام ضعيفاً ثلاثة أشهر حتّى تغيّرت أحواله ويئس منه أبواه، ودخلت عليه الأطباء فقالوا: ما له دواء إلاّ الجارية «.

 

 

وما إن يصل » نعمة بن الرّبيع « إلى دمشق، لأجل البحث عن جاريته، حتى يكشف السّرد الحكائي عن وجود جاريته » نعم « في قصر عبد الملك بن مروان. وهنالك في قصر الخليفة تنكشف الحقيقة، وتؤكّد أخت الخليفة أنّ الحجّاج كان كاذباً في ما ادّعاه: » فقالت أخت الخليفة: يا أمير المؤمنين إنّ هذه الواقفة هي نعم المسروقة. سرقها الحجّاج بن يوسف الثّقفي وأوصلها لك، وكذب فيما ادّعاه في كتابه من أنّه اشتراها بعشرة آلاف دينار، وهذا الواقف هو نعمة بن الرّبيع سيّدها، وأنا أسألك بحرمة آبائك الطّاهرين أن تعفو عنهما وتهبهما لبعضهما، لتغنم أجرهما، فإنّهما في قبضتك وقد أكلا من طعامك وشربا من شرابك، وأنا الشّافعة فيهما المستوهبة دمهما «(22).

 

و تؤكّد الحكاية أنّ الخليفة عبد الملك بن مروان عفا عنهما، ووهبها لبعضهما. وقد يتساءل متلقّي الحكاية: لِمَ تستحلف أخت الخليفة ـ التي لا يذكر الرّاوي اسماً لها ـ أخاها أن يعفو عنهما؟ وما هي الجريمة التي ارتكباها حتى يعفو عنهما؟ و ما جدوى هذا العفو مادام لا يوجد هناك أية جريمة؟. فبحث » نعمة « عن زوجته هو بحث مشروع، ولم يكن متجاوزاً لهيبة الخليفة وسلطاته، مادامت الجارية الأسيرة في قصره هي زوجة رجل من رعاياه كان قد ظلمه الحجّاج والي هذا الخليفة. ولأنّ الرّاوي في هذه الحكاية مؤدلج ضدّ الوالي الظّالم الحجّاج، و متعاطف مع سيّده عبد الملك بن مروان في آن، فقد رأى ضرورة أن يتحلّى أمير المؤمنين بدمشق، بالحكمة والعدل، اللّذين يدفعانه للعفو عن » نعمة « و زوجته » نعم «. وقد اضطّر أن يقول على لسان الخليفة: » لا بأس عليكما فقد وهبتكما لبعضكما«(23). وقد غاب عن إيديولوجية هذ

المزيد