الفضاء الروائي في الرواية اليمنية المعاصرة ـــ د. محمد عبد الرحمن يونس
تعتبر رواية (الرهينة) للروائي اليمني زيد مطيع دماج، من أهم الروايات اليمنية التي رصدت لمختلف العلاقات الإنسانية والاجتماعية والسياسية في فترة نظام حكم الأئمة، أي قبل قيام الحكم الجمهوري بصنعاء، وهي من أجرأ الروايات اليمنية الحديثة والمعاصرة في التركيز على فضاء الجسد والجنس، والقصور، وأيديولوجيا الطبقة الإمامية البائدة. إنها تؤسس لفن روائي يمني، يخرق المحرمات، وفق سخرية حادة مرّة من كل الأعراف والتقاليد والقيم البطريركية المؤسسة على نظام معرفي سلطوي، أحادي الرؤية في تطلعاته ومفاهيمه وقيمه، وتستفيد من فن السيرة الذاتية، ولغة المذكرات، والمونولوجات الداخلية الحالمة، وفن الاسترجاع والاستذكار، ولغة الحلم والتخيل، والقطع السينمائي، وتضع الواقع السياسي –المعيوش- إبان فترة الإمامة- بتناقضاته، وجهله وبطشه، خلفية وحقلاً مرجعياً، بحيث يشكّل هذا الحقل لحمة للعمل الروائي، وبنياته الجمالية والفنية. إنها تقدّم مجتمعاً واقعياً، لكنه من خلال البنية الفنية يبدو للقارئ مجتمعاً غرائبياً أسطورياً. لكنّ القارئ المتتبع لتاريخ اليمن، والذي عاصر الحكم الإمامي سيجد أنَّ هذا الواقع الغرائبي الأسطوري، ما هو إلاّ واقع كان حقيقة حية سائدة، عاشه الروائي زيد مطيع دماج، وصوّره بفنية جمالية تنهل في بنيتها العميقة من معطيات المدرسة الواقعية في الأدب، وبنياتها وتوجهاتها المعرفية، هو الواقع اليمني في عهد الأئمة الذين حكموا اليمن، وفرضوا عليه عزلة، ومنعوا تطوره الحضاري، فكرياً وثقافياً وسياسياً واقتصادياً، ومن خلال هذا الواقع يبدو فضاء المدينة باهتاً وضيقاً ومخنوقاً، وعموماً فإنّ كثيراً من الأعمال الأدبية، سواء أكانت رواية أم قصة أم نصوصاً شعرية، تعاملت مع فضاء المدينة بمزيد من الرفض، والسوداوية باعتباره فضاء للاستلاب والعلاقات الاستهلاكية، فضاء للحد من الحرية، ولمزيد من انسحاق الروح تحت وطأة الفقر والجوع والمرض، وتحكم طبقة معينة بباقي الطبقات الأخرى، فضاء لنظام مؤسساتي لا يعنى بالبشر كأفراد ومواطنين بل يتعامل معهم كأجساد بشرية، ومخلوقات ترجع إلى عصور ما قبل التاريخ وما قبل السياسة. ففي الوقت الذي ازدادت قوى السيطرة والحكم للدولة عما كانت عليه قبل خمسين سنة أصبح من المحتم أن يقلّ الاحترام لحرية الفرد لأنّ القضية السياسية الأساسية في الوقت الحاضر لا تُعنى بالحريات البشرية… ونحن جميعاً كمخلوقات، عبيد على حد سواء وذلك بسبب حاجاتنا الطبيعية(1).
إنّ فضاء المدينة عند الروائي زيد مطيع دماج، غاص بالعبيد والمضطهدين – بفتح الطاء، فضاء لا يوجد فيه غير طبيب إيطالي واحد وسيارة واحدة، ومذياع واحد في قصر يضم مئات الأشخاص معظمهم من العبيد والخدم، ولأنّ البطل الرهينة كان من أسرة معارضة لنظام الإمام، فطبيعي أن يُبرز السرد الروائي أيديولوجية معارضة لأيديولوجيا السلطة الحاكمة. وفي هذه الدراسة سأركّز على الفضاء الذي كان سجناً لبطل الرواية، الذي يسميه الروائي بـ الرهينة، وهو اسم الرواية أيضاً، وهذا الفضاء هو قصر النائب، الذي يُقتاد إليه الرهينة ليُسجن فيه، انتقاماً من أسرته المعارضة لنظام الإمام.
ومن خلال هذا الفضاء قصر النائب، يمكننا تلمس أوجه فضاءات مدينة صنعاء- إبان حكم الإمام- بعلاقاتها كافة، ففضاء قصر النائب هو المدينة المصغّرة، التي تعكس مدينة كبيرة، تتشكل واضحة في قيمها، وعلاقاتها، وحرمانها، وفقرائها، وأغنيائها البطرين وطبقاتها السياسية والاجتماعية داخل القصر.
يرى فورستر أنّ سبعة أوجه أو زوايا يمكن أن تشكّل فنياً أركان الجنس الروائي والقصص، وهي:
1-الحكاية. 2-الشخصيات 3-الحبكة الروائية. 4-الإغراق في الخيال. 5-الشفافية*. 6-الإطار. النموذج والإيقاع**(2).
وهذه الأوجه لا تتحقق عملياً في الجنس الروائي، إلاّ داخل حيّز مكاني، تصطلح الدراسات النقدية الغربية الجديدة على تسميته بالفضاء الروائي(3)، ولقد عرف هذا الفضاء في الدراسات النقدية القديمة بالمكان.
إنّ للفضاء الروائي دوراً مهماً في تشكيل العمل الروائي، فهو البنية الأساسية من بنياته الفنية، ولا يمكن تصور أحداث روائية إلا بوجود مكان تنمو فيه الأحداث وتتشعب، فكل المكّونات الحكائية في العمل الروائي تتشكل داخل الفضاء الذي تتم به عمليات التخيُل والاستذكار والحلم، فلا يمكننا أن نتخيل شخصية روائية تفكر وتتفاعل مع أخرى، وتراقب وتحلل الأوضاع الأيديولوجية والاجتماعية إلاّ داخل مكان، ومن خلال المكان يمكن أن تفهم حركة الشخوص الروائية، ورؤاها، فـ بيت الإنسان امتداد له، فإذا وصفت البيت فقد وصفت الإنسان(4)، والمكان في الرواية هو فضاء جمالي مهمته تجسيد رؤى الكاتب وشخصياته، ومن خلال بنية المكان يمكن الاعتماد على خطاب التعرية والإدانة لكل مواصفات الأوضاع السياسية والثقافية والاقتصادية، من هنا يمكن الاعتماد على المكان لفهم الحدث الروائي، ولفهم علاقات الشخوص فيما بينها، وحتى يمكن فهم المكان تُدرس بنيته في الشكل الروائي، ونموه وتعدده، وكذلك مجمل الصور التي يظهر فيها هذا المكان.
يتعدد الفضاء المكاني في رواية الرهينة، فهو إحالات سريعة إلى الريف، مسقط رأس الرهينة، وتارة المدينة وأخرى قلعة الرهائن، وقصر ولي العهد –سيف الإسلام-، إلاّ أنَّ أهم فضاء في الرواية هو فضاء قصر النائب الذي يتفرع بدوره إلى فضاءات فرعية أخرى: جناح الشريفة حفصة، غرفة الدويدار، وصديقه الرهينة، غرفة البورزان –ضارب النفير-، ملحقات الجنود والحرس، اسطبلات الخيول، غرفة مقيل النائب، ودهاليز وممرات وسلالم، كان لها دور أساسي في التركيز على العلاقات الجنسية غير الشرعية في القصر.
وفضاء قصر النائب في رواية الرهينة هو المكان المحوري في الرواية، إنه يستوعب رغم انغلاقه لوحات اجتماعية متشابكة ومعقّدة، وإذا كان السارد لا يفصح عنها بطريقة مباشرة، فإن الوصف والسرد يبرزانها بين فترة وأخرى، وهي حاضرة في هذا الفضاء المركزي بطريقة غير مباشرة، ونتيجة لتعدد هذه الفضاءات وتشعبها وإحالاتها السياسية والاجتماعية في فضاء القصر، فإننا سنقتصر على دراسة فضاء العتبة في القصر، وتحديداً فضاء النافذة، وبخاصة في غرفة الدويدار وصديقه الرهينة(5)، لما لهذا الفضاء من أهمية باعتبار دلالته السيميائية، وقدرته على أن يشكل فضاء للحرية والتوق، فالفضاء المكاني ببنيته وشكله، وأثاثه، ومكونات ديكوره يحيل بشكل أو بآخر إلى كثير من الأبعاد الرمزية للشخصيات التي تتحرك وتتفاعل في هذا المكان.













